ومن هذه اللحظة فصاعدا كلما وطئت قدماه هذا الفندق يعامل باعتباره أرفع ضيف فيه دون نقاش. تجمدت موظفة الاستقبال في مكانها وكأن الأرض قد ابتلعت قدميها. شحب وجهها حتى بدا وكأن الدم قد انسحب منه دفعة واحدة وارتجفت شفتاها ارتجافا لا إراديا. حاولت أن تتماسك لكن الكلمات خانتها وتعثر صوتها وهي تقول بصعوبة وقد انخفضت نبرتها لأول مرة منذ بدأت العمل في ذلك الفندق الفاخر أنا أنا لم أكن أعلم لم أقصد أقسم أنني لم أقصد كانت كلماتها تخرج متقطعة بلا قوة ولا ثقة وكأنها اعتراف متأخر أمام نفسها قبل أن يكون أمام الآخرين.
لم يكن خوفها من العقاب هو ما أربكها بل الصدمة التي أصابت صورتها عن العالم وعن نفسها تحديدا. لم يجبها الفلاح مباشرة. وقف للحظات صامتا يتأمل الوجوه من حوله واحدا واحدا وكأنه يقرأ في أعينهم ما لم تفصح عنه ألسنتهم دهشة خجل إحراج وندم مكتوم. بدا هادئا على غير المتوقع ثابتا كمن اعتاد مواجهة المواقف الصعبة دون ضجيج.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ابتسامة رجل ذاق مرارة الأيام قبل حلاوتها رجل علمته الحياة أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى صوت عال. لوح بيده بلطف وقال بصوت عميق دافئ لا عليك. كلنا نخطئ أحيانا في الحكم على الناس. الحياة قاسية بما يكفي لتعلمنا الدروس لكن الخطأ الحقيقي ليس في الجهل بل في الإصرار عليه.
ما دام الإنسان قادرا على أن يتعلم فالأمل باق. أتمنى فقط أن يكون ما حدث اليوم عبرة فلا يقاس الإنسان بملابسه ولا يعرف معدنه من مظهره. ساد صمت أثقل من السابق صمت لم يكن فراغا بل امتلاء بمعان كثيرة. شعر كثيرون في القاعة وكأن تلك الكلمات وجهت إليهم شخصيا لا إلى موظفة الاستقبال وحدها.
تقدم المدير خطوة أخرى وقد اغرورقت عيناه بتأثر صادق لم يستطع إخفاءه وقال بصوت خافت لكنه نابع من القلب صوت رجل تذكر فجأة ماضيا حاول نسيانه طويلا حين مرت عائلتنا بأقسى محنة في حياتها كنا على وشك الانهيار الكامل. خسرنا تجارتنا وتراكمت علينا الديون وتفرق عنا الناس واحدا تلو الآخر. أصدقاء الأمس تخلوا عنا والمعارف اعتذروا بلطف بارد. كل باب طرقناه أغلق في وجوهنا. كنا نشعر أننا وحدنا في هذا العالم.
توقف لحظة ثم أكمل وهو يشير إلى الفلاح هذا الرجل وحده مد يده دون أن يسأل عن ضمان أو مصلحة. أقرض والدي المال ونحن على حافة الانهيار ولم يطلب يوما شكرا ولا مقابلا. لم يتباه ولم يذكرنا بفضله. تركنا ننهض بكرامتنا. ذلك الفضل سيبقى دينا في عنقي ما حييت ولن توفيه كلمات ولا مناصب ولا فنادق. ساد الصمت أرجاء القاعة صمت ثقيل لم يكن مجرد غياب للأصوات بل حضورا كثيفا للمشاعر.
بدا وكأن الزمن نفسه توقف لثوان طويلة لا تتحرك فيها عقارب الساعة ولا يجرؤ أحد على كسر ذلك السكون. الوجوه التي كانت قبل دقائق تتبادل النظرات المتعالية أو الابتسامات الساخرة تغيرت ملامحها تماما. ارتسمت الدهشة على الوجوه دهشة ممزوجة بالخجل وتحولت العيون التي كانت تنظر من عل إلى عيون منكسة تحمل اعترافا صامتا بالخطأ.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.