لم يخطر ببالي أبدا أن تكوني من العائلة لم أترك كلماته غير المكتملة تثير أي توتر إضافي ابتسمت بلطف ابتسامة خالية من أي شعور بالانتصار وقلت لا داعي للاعتذار اليوم يومك وهذه مناسبة سعيدة أتمنى لكما كل التوفيق والراحة كان في عبارتي شيء من الطمأنينة وكأنها أعادت التوازن إلى الموقف تراجع قليلا وأومأ برأسه باحترام بينما بقيت القاعة غارقة في صمت مشوب بالترقب لم يعد التوتر وحده هو المسيطر بل تسلل إليه شعور جديد الاحترام للمرة الأولى تغيرت نظرات الجميع إلي لم تكن تلك النظرات الفضولية أو المتعالية التي اعتدتها بل نظرات إعادة تقييم نظرات تحاول أن تفهم كيف أخطأت في الحكم وكيف غفلت عن حقيقة كانت أمامها طوال الوقت قطعت سانيا هذا الصمت بصوت خافت بالكاد سمع وهي تحاول أن تخفي ارتباكها إذن زوجة أخي هي مديرة زوجي لم يكن في نبرتها تحد هذه المرة بل خليط من الخجل والذهول التفت إليها بهدوء أومأت برأسي وقلت نعم لكن العمل عمل بالنسبة لي لا تختلط المهنة بالعلاقات قيمة الإنسان لا تقاس بأصله ولا بملبسه ولا بالبيئة التي نشأ فيها بل بما يحمله من أخلاق وما يقدمه من جهد واحترام للآخرين كانت كلماتي بسيطة لكنها وقعت في القاعة وقع الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أحسست بأن بعض الحضور أنزلوا أبصارهم وكأنهم
يسترجعون مواقف سابقة تعليقات عابرة أو أحكاما قاسية أطلقوها دون تفكير اقتربت حماتي خطوة مني وقد تغير صوتها تماما حين قالت بنبرة رقيقة صادقة يا ابنتي سامحيني لقد أخطأنا حين حكمنا عليك من الظاهر تعلمي يا سانيا الكرامة الحقيقية لا تظهرها الأموال بل التواضع كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تسدل ستارا على سنوات من سوء الفهم لم يكن في صوتها توبيخ قاس بل ندم واضح ورغبة صادقة في الإصلاح نظرت سانيا إلى الأرض ولم تجب لكن صمتها كان هذه المرة اعترافا انتهت مراسم الزفاف وسط أجواء مختلفة تماما عما بدأت به لم يعد الحديث يدور حول الأناقة أو الأسماء اللامعة بل حول القيم والعمل والاجتهاد كثيرون اقتربوا مني بعد ذلك بعضهم بابتسامة خجولة وآخرون بأسئلة حذرة وكأنهم يحاولون بناء جسر جديد من الاحترام بعد الزفاف تغير تعامل العائلة معي تدريجيا لم يكن التغيير فجائيا لكنه كان حقيقيا لم تعد سانيا تتجنبني أو تتحدث معي بتعال بل بدت أكثر تحفظا وأكثر وعيا بكلماتها وبعد أيام وصلتني منها رسالة قصيرة لكنها كانت كافية أعتذر إن كنت قد أسأت إليك يوما لم أكن أراك كما أنت قرأت الرسالة بهدوء ولم أشعر بأي رغبة في العتاب لم أحمل في قلبي ضغينة فأنا أعلم أن كثيرا من الاحتقار يولد من الجهل لا من الشر في
إحدى الأمسيات كنا أنا وروهان نجلس في شرفة المنزل كان الصمت بيننا مريحا يقطعه أحيانا صوت المدينة البعيد فجأة اقترب مني وهمس أنا فخور بك لم تحتاجي إلى رفع صوتك ولا إلى الدفاع عن نفسك ولا إلى كشف أي شيء حضورك وحده قال كل شيء نظرت إليه وابتسمت ثم قلت لم أفعل شيئا غير أنني كنت نفسي لا أحد فقير إلى الأبد ولا غني إلى الأبد لكن الاحترام لا يشترى ولا يفرض بل يكتسب بالجهد وبالصبر وبالتواضع سكتنا قليلا ثم رفعت رأسي نحو السماء كانت تلك الليلة صافية على نحو غير مألوف كأن الغيوم تعمدت أن تنسحب احتراما للحظة امتد السواد الأزرق فوقي بلا حدود مرصعا بنجوم ثابتة لا تتزحزح فبدت لي كرسالة صامتة تقول إن الحياة مهما ضاقت في أعين البشر تظل أوسع من أحكامهم وأعمق من نظراتهم السطحية وأصدق من كل تصنيف متعجل شعرت بطمأنينة لم أعرفها من قبل طمأنينة لا تشبه نشوة الانتصار ولا لذة الرد ولا حتى راحة إثبات الذات كانت طمأنينة ناضجة هادئة تنبع من الداخل لأنني لم أضطر يوما إلى الدفاع عن نفسي ولم أجبر الحقيقة على الظهور ولم أرفع صوتي كي أسمع أحدا من أكون الحقيقة خرجت وحدها كما تفعل دائما حين يترك لها الوقت الكافي أدركت في تلك اللحظة أن أقسى ما
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.