رجعت من السفر بقلم الكاتبه مني السيد

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

رجعت من الغربة وأنا عاملة نفسي “على الحديدة”، واللي عملته أمي وأختي كان فوق الخيال.. وقفت قدام باب البيت اللي بنيته طوبة طوبة من شقا عمري على مدار 23 سنة. شنطتي مقطوعة تحت رجلي، وهدومي قديمة مبهدلة وعرقانة من مرمطة الميكروباصات والسفر من المطار للمحافظة… ​كلام أمي “الحاجة روحية” كان أوجع من أي إهانة سمعتها وأنا بمسح سلالم البيوت عند الأجانب عشان أبعتلهم “المعلوم”.

وراها كنت شايفه الصالون المذهب اللي شريته، والرخام اللي دفعته تمنه دـ,ـم قلب، والنجف اللي نور عيني انطفى عشان أعلقهولهم.. وهي بتبص لي وكأني حتة زبالة اتطوحت قدام بابها بطلب صدقة. فتاة فقيرة متأخرة منذ 3 أسابيع فجأة ظهرت أختي “سماح” من وراها وهي بتنشف إيديها في فوطة مطرزة، عرفتها فوراً.. دي من الطقم اللي بعتهولها من سنتين.

أول ما شافتني، وشها قلب حجر، وقالت بصوت كله سـ,ـم متغطي بكلمتين ملامة: — “إيه اللي جابك يا أمل؟ خير؟” ​قلتلهم والدموع في عيني إنهم رفدوني، وإني تعبانة ومريضة وماليش مكان يلمني، ومحتاجة بس كام يوم لحد ما أشوف لي أي شغلانة هنا، ووعدتهم مش هكون حمل على حد. صوتي كان طالع مكسور، جزء منه كان تمثيل، بس الجزء الأكبر كان حقيقي..

وجع إن دمك يشوفك “مشكلة” مش “بني آدم” ​سماح بصت لأمي نظرة “السر والمؤامـ,ـرة”، وقالت ببرود يجمّد الدـ,ـم: — “البيت ملوش مكان يا أمل.. البيت مليان، ولادي وعيالهم، وكلنا فوق بعض.” ​كدب.. أنا عارفة البيت فيه كام أوضة لأن أنا اللي دافعة للمقاول بالمليم.. خمس أوض وصالة تساع من الحبايب ألف. بس كتمت في قلبي، كنت عاوزة أشوف الغل وقلة الأصل هيوصلوا بيهم لفين قبل ما أكشف وشي الحقيقي.

​أمي سابتني واقفة وراحت صبت لنفسها كباية شاي في طقم الكريستال الغالي اللي بعتهولها، ولابسة في إيديها غوايش دهب أنا اللي شرياها، وقالت وهي بتمصمص شفايفها: — “طول عمرنا عارفين إنك هتتجرجري وترجعي كده. الواحدة اللي تسيب عيالها وتجري ورا الفلوس لازم نهايتها تبقى كده. ربنا بيخلص القديم والجديد يا بنتي، وده ذنب بُعدك عنا.” ​كل كلمة كانت خـ,ـنجر مسمـ,ـوم في قلبي.

نسيوا إن كل “غيبة” كانت تمن لعيشتهم الهنية، نسيوا إن غربتي هي اللي عملت منهم “أسياد”. سماح طلعت موبايلها الأحدث موديل اللي أنا دافعة تمنه طبعاً- وقالت وهي مش باصة لي أصلاً: — “شوفي خالتك سعاد، هي أصلاً بتحب تلم القطط الضالة، يمكن تلاقي لك ركن عندها.” ​كلمة “قطط ضالة” رنت في ودني زي القلم على الوش، وأمي هزت راسها بالموافقة!

مسكت شنطتي وإيدي بتترعش من كتر الغيظ المكتوم، وجيت أمشي، بس أمي رمت الكلمة اللي قطمت وسطي: — “وعلى فكرة يا أمل.. متبعتيش فلوس تاني، إحنا اتعلمنا نعيش من غير “نُفحتك” دي.” ​كانت بتسمي الـ 100 ألف جنيه اللي كنت ببعتهم “كل شهر” بالمليم طوال 23 سنة “نُفحة”! بتسمي الـ 30 مليون جنيه اللي حولتهم من شقايا وتدمير صحتي في الغربة عشان يركبوا أفخم عربيات “نُفحة”!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق