عمري 45 عامًا، أمٌّ مطلّقة لسبعة أطفال

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

كان عمري خمسةً وأربعين عامًا، أمًّا مطلّقة لسبعة أطفال، أعيش في حيّ شعبي قديم داخل باب الوادي، حيث البيوت متلاصقة كأنها تتكئ على بعضها خوفًا من السقوط، وحيث يعرف الجميع أخبار الجميع قبل أن يعرفها أصحابها أنفسهم. في ذلك الحي، كان هناك بيت أصفر باهت في آخر الزقاق، تعلو جدرانه تشققات طويلة تشبه الندوب القديمة. يسكنه رجل عجوز يُدعى الحاج مصطفى بن عمار، تجاوز الثمانين بقليل، ويعيش وحده منذ سنوات طويلة.

كان أهل الحي يهابونه أكثر مما يحترمونه. صوته دائم الصراخ، حاجباه معقودان دائمًا، وعصاه الخشبية لا تفارق يده أبدًا. إذا لعب الأطفال الكرة قرب بابه، خرج يسبّ ويلعن ويهدد بإبلاغ الشرطة. وإذا ضحكت امرأة بصوت مرتفع أمام منزله، أغلق نافذته بعنف كأنه يعاقب العالم كله على إزعاجه. أما أطفالي السبعة، فكان يسميهم دائمًا أولاد الفوضى. سمعته مرة يقول لجارتنا تلك المرأة لا تربي أطفالًا إنها تربي كارثة.

ورغم ذلك كله كنتُ أطبخ له العشاء كل مساء. حتى أنا لم أكن أفهم نفسي أحيانًا. كنت أستيقظ قبل الفجر لأعمل في مخبز صغير قرب ساحة الشهداء، ثم أذهب بعد الظهر لتنظيف مكاتب شركة قديمة، وفي الليل أعمل داخل مغسلة فندق شعبي قرب الحراش. ثلاث وظائف وجسد واحد بالكاد يقف. في بعض الليالي كنت أعود منهكة لدرجة أنني أبكي بصمت وأنا أطبخ العدس لأطفالي.

كنت أزيد الماء في الحساء حتى يكفي الجميع. وأعدّ قطع الخبز بعناية حتى لا ينام أحدهم جائعًا. لكن رغم كل شيء كنت أضع دائمًا طبقًا إضافيًا. طبق للحاج مصطفى. في البداية، ظنّ الناس أنني فقدت عقلي. قالت لي جارتي خديجة بوعلام ذات مساء الرجل لا يطيق حتى النظر في وجهك لماذا تفعلين هذا؟ ابتسمتُ فقط، ولم أجب.

لأنني كنت أتذكر ذلك الصباح جيدًا. كان صباحًا شتويًا قاسيًا، والبرد يلسع العظام. كنت أجرّ عربة الخبز في الطريق حين رأيته ممددًا قرب الرصيف، ساقطًا فوق الأرض المبللة بالمطر. كان يحاول النهوض بعناد، لكنه يفشل في كل مرة. اقتربتُ منه بسرعة. قلت الحاج مصطفى! هل أنت بخير؟ نظر إليّ بغضب متعب. لا تلمسيني أستطيع الوقوف وحدي. لكنه لم يكن يستطيع. كانت يداه ترتجفان بشدة، لا من البرد فقط بل من شيء أعمق بكثير.

ساعدته رغم اعتراضه، وأسندته حتى باب منزله. وعندما وصلنا، بقي صامتًا للحظات طويلة، ثم سألني بصوت خافت لم أسمعه منه من قبل لماذا تساعدينني؟ نظرت إليه باستغراب. لأنك تحتاج للمساعدة. هزّ رأسه ببطء وقال أنا رجل سيئ. ولأول مرة رأيت في عينيه شيئًا غير القسوة. رأيت تعبًا قديمًا ووحدة مرعبة. وضعت يدي على كتفه وقلت لا أحد يستحق أن يبقى وحده. منذ ذلك اليوم بدأتُ أترك الطعام أمام بابه.

في البداية، كان يرفض بعصبية. يفتح الباب قليلًا ويقول أنا لا أحتاج صدقة. فأجيبه بهدوء إذن اعتبره فائض طعام. ثم أرحل. وفي الصباح أجد الطبق فارغًا دائمًا. مرّت الشهور ثم السنوات. سبع سنوات كاملة من هذا الروتين الغريب. أضع الطعام هو يتذمر ثم يأكله كله. أحيانًا كنت أسمعه يسعل داخل البيت لساعات، فأطرق الباب وأسأله إن كان يحتاج طبيبًا، فيصرخ اذهبي لشأنك. لكنني كنت أعرف أنه صار ينتظرني. ذات مساء، تأخرت بسبب عملي في الفندق.

وعندما وصلت قرب منتصف الليل، وجدته واقفًا أمام الباب بعصاه، يراقب الزقاق بعصبية. ما إن رآني حتى قال بحدة الطعام برد. كدت أضحك. لأنها كانت المرة الأولى التي يعترف فيها ضمنيًا بأنه كان ينتظرني. بعد أشهر قليلة نسي أن يغلق الباب بالكامل. دخلتُ لأول مرة. وكان المنزل صامتًا بشكل مؤلم. رائحة الغبار والأدوية القديمة تملأ المكان، لكن أكثر ما شدّني لم يكن الفوضى بل الجدران. كانت مغطاة بالصور.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق