بعد سنه حكايات زيزي خالد

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

فتح فمه لينطق بكلمة واحدة، ليعتذر، ليقول أي شيء يبرر به قسواته السابقة، لكن كريمة لم تمنحه حتى شرف النظر إليه. التفتت كريمة إلى الرجل صاحب البدلة الكحلي، وابتسمت له بامتنان، وقالت بصوت هادئ ومستقر شكراً يا مهندس طارق... وصل الملف الإداري للمستشفى في وقته تماماً. أومأ طارق باحترام، وسار بجوارها وهما يغادران ممر الأطفال متجهين نحو غرفة الاجتماعات، تاركين خلفهما كريماً ساقطاً على ركبتيه جوار عربة الأطفال المحطمة، وسمر تبكي بحړقة على أرضية الممر الملطخة بحليب الببرونة المکسورة.

الفصل الثالث النهاية العادلة مرت ثلاثة أشهر كاملة على تلك الحاډثة التي أصبحت حديث مستشفى الحياة التخصصي والمجتمع الطبي بأسره. لم يعد كريم يملك شيئاً. عندما أجرى فحوصات طبية خاصة به بعد تلك الصدمة، اكتشف لليقين أنه لم يكن عقيماً من الأساس، وأن مشكلة الإنجاب السابقة كانت مجرد عارض صحي بسيط يمكن علاجه في غضون أسابيع قليلة لو أنه بذل مجهوداً حقيقياً أو دعم زوجته بدلاً من إلقاء اللوم عليها وتوجيه الإهانات لها.

لكن الكبرياء الأعمى والنرجسية المدمرة جعلاه يخسر كل شيء زوجة مخلصة، وسمعة طيبة، وأموالاً طائلة أنفقها على طفل ليس ابنه، ليجد نفسه في النهاية محاصراً بقضايا إثبات نسب ومحاكم أسرة تلاحقه من كل جانب. أما سمر، فقد وجدتها عائلتها منبوذة، وتركها الجميع، ورفض المهندس زياد الاعتراف بالولد تماماً، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة مصير قاسٍ ومحاكم جنائية ومدنية تطالبها برد التعويضات والمصاريف.

وفي مكتبها الواسع بالطابق الأخير من المستشفى، كانت الدكتورة كريمة تقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، تتأمل حديقة المستشفى الخضراء وأشعة الشمس الدافئة تداعب أوراق الشجر. على مكتبها المترتب بعناية، كانت ترتدون لوحة معدنية صغيرة تحمل اسمها ورتبتها الجديدة كرئيسة قسم جراحة الأطفال. بجوارها مباشرة، كان تقرير طبي رسمي جديد يثبت تفوق أبحاثها الطبية وحصولها على زمالة دولية مرموقة.

طرق باب المكتب خفيف، ودخل المهندس طارق حاملاً فنجاني قهوة، وابتسم لها قائلاً اجتماع مجلس الإدارة هيتبدأ خلال خمس دقايق يا دكتورة... جاهزة؟ التفتت كريمة إليه، وابتسامة حقيقية ودافئة تضيء وجهها الجميل، وقالت بصوت واثق ومستقر تماماً طبعاً يا طارق... جاهزة جداً للمستقبل، ومشوار العمر الحقيقي لسه بيبدأ. أغلقت الباب خلفهما بهدوء، بينما كانت الشمس تشرق بسطوع على صفحة حياة جديدة، لا مكان فيها للظلام، ولا للماضي، ولا لمن كانوا يسكنون الظل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق