ضحكت ضحكة عصبية، محاولة أن تخفي خوفًا حقيقيًا:
"راح أفشل."
لكن صوته جاء هادئًا، ثابتًا:
"حتى لو فشلنا… راح نحاول من جديد. الفشل مو نهاية، هو بس طريقة تقول لنا: غيروا الخطة."
مدّ يده نحوها.
ترددّت لثوانٍ،
ثم مدت يدها هي الأخرى، حدقت في أصابعها وهي تتشابك بأصابعه النحيفة، وشعرت أن العالم كله يختصر في تلك القبضة الصغيرة.
سحبها برفق، خطوة بخطوة. شعرت بالأرض تميل تحتها، الركبتان ترتعشان، الدم يتدفق بقوة نحو قدميها كأنهما لم تعتادا على الوقوف منذ زمن بعيد. قلبها يدق بقوة، ليس فقط خوفًا من السقوط، بل خوفًا من الأمل نفسه. ثم…
رفعت قدمها عن الأرض. كانت لحظة قصيرة في عيون الآخرين، لكنها كانت بالنسبة لها أطول من كل السنوات الخمس الماضية. صرخة خرجت منها دون أن تخطط، صرخة مزيج من الخوف والدَّهشة والتحرر. ثم رفعت القدم الثانية. وقفت.
وقفت حقًا.
بدون كرسي.
بدون عجلات.
بدون مقبض معدني تسند عليه.
كانت تبكي… وهو يضحك.
كانت ترتجف… وهو يمسك يدها بقوة أكبر.
قالت له وسط شهقاتها:
"أنت… رجعت لي الحياة."
هز رأسه نافيًا، بابتسامة لا تشبه ابتسامات الأطفال الآخرين، ابتسامة من مرّ بكثير من الألم لكنه رفض أن ينكسر:
"لا… أنتِ اللي لقيتيها. أنا بس كنت دليل صغير."
سارت خطوة… ثم ثانية… ثم ثالثة…
كل خطوة كانت تشبه خيط ضوء يمزق ظلمة غرفة بقيت مغلقة لسنوات.
ثم لم تتمالك نفسها…
ألقت بجسدها عليه، احتضنته كما لو كانت تخاف أن يختفي لو تركته، ودموعها تسيل بحرارة على كتفه النحيل.
تردد لوهلة، لم يعتد أن يُحتضن بهذا الشكل، لكن يديه ارتفعتا في النهاية، ببطء، ليبادلاها العناق بخجل وصدق.
قالت وهي تبكي:
"ما راح أخليك تضيع. وعد."
لم يكن يدرك تمامًا وزن هذه الجملة، ولا ماذا يمكن أن تفعل امرأة مثلها إذا قررت أن تفي بوعدها.
لكنه شعر داخله بأن شيئًا ما تغير إلى الأبد.
في اليوم التالي، لم يعد الأمر مجرد جلسة تمرين في شقتها.
استدعته إلى مكتب زجاجي صغير في إحدى ناطحات السحاب التي كانت تمتلكها شركتها القديمة.
وقفت أمامه، مستندة إلى عصا طبية أنيقة، وقالت:
"من اليوم… هذه غرفتك."
فتح عينيه بدهشة.
الغرفة كانت بسيطة… لكنها بالنسبة له قصر.
مرآة كبيرة، سجادة رياضية، كرات تدريب، حبال مطاطية، نموذج هيكل عظمي صغير، ورف كامل من الكتب المختصة بالعلاج الطبيعي وعلم الحركة.
وفي الزاوية، مكتب صغير عليه لوحة مكتوب عليها:
"Marcus Carter – Student Trainer"
نظر إليها غير مصدق:
"هذا… لي؟"
أومأت برأسها:
"لك. وبداية… مو نهاية."
سجلته في برنامج مسائي لدراسة أساسيات العلاج الطبيعي، ورتبت مع مديرة المدرسة ليحصل على دعم إضافي في المواد العلمية. أرسلت له مدرسًا يزوره مرتين في الأسبوع لمساعدته على واجباته، وأعطته بطاقة مفتوحة لاستخدام مكتبة خاصة ضخمة.قالت له في ذلك اليوم، وهي تجلس أمامه على كرسي قابل للحركة، وقدميها تميلان إلى الأمام بثقة لم تعهدها من قبل:
"إذا كانوا قالوا لك إن الفقير ما يصير شي… فأنا بقول لك: راح تصير كل شي."
ومع مرور السنوات، تحققت هذه الجملة بالمعنى الحرفي تقريبًا.
ماركوس لم يعد مجرد فتى جائع يحمل دفترًا قديمًا.
أصبح اسمًا معروفًا في مجتمع صغير أولاً، ثم في أحياء أكبر، ثم على مستوى المدينة.
الناس كانوا يأتون إليه من كل مكان:
أطفال يعانون من مشاكل في المشي، كبار سن يعانون من آلام مزمنة، أشخاص فقدوا الأمل في إعادة تأهيل أطرافهم.
كان يستقبلهم بابتسامة، ويقول جملته المعتادة:
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.