ح.ملت من خطيبي حكايات روماني مكرم 2

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

أخذ أخي وهوى به القدر إلى القبــ,,ـــــر، ليغلق الفضل الأكثر بشاعة في قصتنا. بعد الجنازة بأيام، لم نعد نطيق البقاء في ذلك البيت. كل أركانه كانت تصرخ بالحقيقة، وكل زاوية فيه كانت تذكرني باللحظات التي جمعتني به وبالكلام الذي سمعناه خلف الباب. حزمنا أمتعتنا القليلة، وأخذت جدي وبنتي، ورحلنا بعيدًا.. تركنا المدينة بأكملها وانتقلنا للعيش في قرية ساحلية هادئة لا يعرفنا فيها أحد.

مرت السنوات ببطء شديد، كأنها ترمم في روحي ما هدمته اللعنة. كبرت ابنتي الصغيرة، “نور”.. أسميتها نور لأني أردت أن تطرد الظلام الذي ولدت فيه. كلما كبرت نور، كلما زاد جمالها، وزاد مع جمالها تطابق عينيها مع عينيه.. عينٌ زرقاء فاتحة كالسماء الصافية، وعينٌ بنيٌ داكن كالليل العميق. في البداية، كان النظر إلى عينيها يمزق قلبي ويستحضر كل الآلام، لكن مع الوقت، وأنا أراها تضحك وتركض في أرجاء البيت، أدركت أن هذه الطفلة لم تكن ذنبًا، بل كانت الضحية الوحيدة التي لا ذنب لها في كل ما حدث.

جدي عاش معي سنوات طويلة، كان فيها الأب والسند والحصن الحصين. بنى لنور لعبًا بإيده، وعلمها الكلام، وكان ينظر إليها بعينين مليئتين بالحب والرحمة، كأنه يكفّر عن سر مكتوم عاش معه عمراً كاملاً. وقبل عامين، رحل جدي عن دنيانا بسلام، بعد أن أوفى بعهده لحمايتي وحماية نور حتى آخر نفس في حياته.

اليوم، وأنا أجلس في البلكونة أراقب نور وهي تلعب في الحديقة بلباسها الماليء بالألوان، وهي في سن السابعة من عمرها، اقتربت مني وفجأة نظرت في عينيا بعينيها الغريبتين والجميلتين وقالت ببراءة:— ماما.. ليه عيني مش شبه عينيكي؟ وليه صحابي في المدرسة بيستغربوا شكلي؟ هو بابا كان عينيه زيي؟ابتسمت لها ابتسامة حنونة، ودمعة دافئة فرت من عيني دون أن تلاحظها.

رفعت يدي ومسحت على شعرها الأسود الداكن، وقلت لها بصوت هادئ ومستقر:— عينيكي دي يا نور.. دي طفرة تميزك عن كل العالم. عين شايفه بيها النور، وعين حارسة السر. وباباكي..باباكي كان إنسان ضل الطريق، بس ربنا بعتك ليا عشان تكوني أنتِ النور اللي ينور حياتي. ضمتني نور بذراعيها الصغيرتين، وعادت لتركض وتلعب تحت أشعة الشمس.

تنفست الصعداء ونظرت إلى السماء البعيدة. أدركت أخيرًا أن الماضي لا يمكن تغييره، وأن اللعنات لا تنتهي بالهروب، بل بالرضا والمواجهة. دفــ,,ـــــنت السر في أعماق قلبي، وسيدفــ,,ـــــن معي عندما يأتي أجلي، لتظل نور طفلة بريئة، تحيا حياتها مرفوعة الراس، بعيدة عن لعنة “عيلة العطار”.. ولتبدأ قصتها هي، قصة أمل ونور جديد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق