رأت فيه مشروعًا، فرصة، شيئًا يمكن بناؤه. ولكي ترفعه، أخفت نفسها. صنعت قصة متقنة: هي مصممة جرافيك تعمل عملًا حرًا وتكافح، وهو الرجل الطموح الصاعد.
استخدمت نفوذها لتؤمّن له وظيفة مبتدئة في إحدى الشركات التابعة لها. ثم بدأت تُدير مسيرته من الظلال: تصحح تقاريره ليلًا، تزرع له الأفكار في أحاديث عابرة، وتضمن أن تبدو إنجازاته «شخصية». خفّت نورها ليظهر هو. والآن، وقد أعماه ذلك الضوء المصطنع، لم يعد يراها أصلًا.
قالت بصوتٍ مشدود:
«أنا أفعل ما بوسعي.»
ربّت مارك على رأسها بحركة أبوية مهينة.«أعرف. فقط حاولي غدًا أن تبدين بمظهر أفضل. حفل الترقية مهم. قد يحضر المدير التنفيذي. لا أريد أي إحراج.»
ابتسمت إلينا ابتسامة باردة.«لا تقلق. سيعرف الجميع من أكون.
»
في وقتٍ متأخر من الليل، وبينما كان مارك نائمًا، أضاء هاتفه على المنضدة.رسالة جديدة.جهة الاتصال: «جيسيكا – الموارد البشرية».«الملفات جاهزة. كل شيء مرتب للعرض. ربطة العنق الزرقاء ستعطي انطباعًا قياديًا.»
حدّقت إلينا في الشاشة طويلًا.لم تبكِ.لم ترتجف.
مدّت يدها إلى أسفل السرير، وأخرجت صندوقًا مخمليًا. في داخله، خاتم ختم من البلاتين يحمل شعار نوفا ستريم. همست:
«أردتَ أن تصعد القمة يا مارك… لكنك نسيت من بنى الجبل.
»
في اليوم التالي، غمرت الأضواء الذهبية والبنفسجية قاعة الاحتفالات الكبرى في فندق الريتز كارلتون. حدثٌ يليق بالنخبة، مموّل بسخاء من «متبرع مجهول» من الإدارة العليا.
وصل مارك في سيارة ليموزين. نزل بثقة، مرتديًا ربطة العنق الزرقاء. إلى جواره كانت جيسيكا، موظفة الموارد البشرية، تتصرّف وكأن المكان لها.
وصلت إلينا بعده بعشر دقائق.
في سيارة أجرة.
دخلت القاعة بهدوء، بفستان أسود بسيط، أنيق بلا بهرجة. وقفت قرب عمود، تراقب المشهد.
رفع مارك كأسه، صوته يعلو فوق الحشد:
«النجاح لا يصنعه فرد، بل فريق يعرف الولاء.»
وأشار إلى جيسيكا.
صفّق الحضور.
ثم رأت إلينا القلادة.
الألماس الأزرق.
نجمة الشمال.
إرث جدتها.
قال مارك سابقًا، بنبرةٍ عابرة خالية من أي اكتراث، إنّه أخذ القلادة لإصلاح المشبك. قالها كما يُقال أي تفصيلٍ تافه، ثم طواها بابتسامة واثقة، كأنّ الأمر لا يستحق سؤالًا آخر.
لكن إلينا، وهي تحدّق الآن في الألماس الأزرق المتدلّي على صدر جيسيكا، أدركت الحقيقة كاملة، بلا نقص ولا مواربة.
لم يكن ما فعله مجرّد تجاوزٍ إداري، ولا حتى فسادٍ مهنيّ معتاد.
كان اقتلاعًا متعمّدًا لذاكرةٍ عائلية، وسرقةً لتاريخٍ لا يُعوّض، واستخدامًا وقحًا لشيءٍ مقدّس ليصنع به صورة زائفة، لامعة، بلا جذور.
في تلك اللحظة، لم تشعر بالغضب.
الغضب يحتاج حرارة.
وما حلّ في صدرها كان أبرد من ذلك بكثير.
أخرجت هاتفها ببطء.لم ترتجف يدها.لم يختلّ نفسُها.فتحت تطبيقًا مشفّرًا لا يحمل اسمًا، ولا شعارًا، ولا أي أثرٍ يدلّ على وجوده لغير من يعرف مفاتيحه. كتبت سطرًا واحدًا فقط، دون شرح، دون علامات تعجّب، دون تردّد:
«نفّذ الخطة أوميغا.»
ضغطت إرسال.وفي اللحظة نفسها، وكأن القاعة كانت تنتظر هذه الإشارة، خفَتَت الأضواء فجأة. انقطع بريق الثريّات، وسقطت الموسيقى الناعمة في فراغٍ ثقيل، قبل أن يحلّ محلّها طنين منخفض، يشبه أنين آلةٍ تستعدّ لكشف سرّ خطير.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.