ترددت كلماته في أرجاء القاعة لا كجملة عابرة بل كصدى ضمير أيقظ قلوبا غافلة. أحس كثيرون أن تلك الكلمات استقرت في أعماقهم وأنها ستظل تطفو في ذاكرتهم كلما هموا بالحكم على شخص من مظهره أو لباسه. لم ينبس أحد بكلمة لكن الصمت هذه المرة كان مختلفا كان صمت فهم واستيعاب.
في تلك الليلة لم يكن الفلاح حديث الفندق فحسب بل أصبح حديث العاملين والضيوف على حد سواء. تناقلوا قصته بإعجاب وتأثر وكل واحد منهم استخلص منها درسا بطريقته
الخاصة. بعضهم تذكر شخصا ظلمه يوما لأنه لم يشبه الصورة التي رسمها في ذهنه وبعضهم وعد نفسه أن يكون أكثر تواضعا وأكثر إنصافا وأكثر إنسانية في تعامله مع الآخرين.
ومنذ ذلك اليوم تغير أسلوب موظفة الاستقبال تغييرا جذريا. لم يعد عملها مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام بل رسالة ومسؤولية أخلاقية. أصبحت أكثر تواضعا وأكثر إنصاتا وأكثر حرصا على معاملة الجميع باحترام حقيقي غنيا كان أم فقيرا.
لم يعد الزائر بالنسبة لها مظهرا أو بطاقة ائتمان بل إنسانا له قصة تستحق أن تسمع وكرامة يجب أن تصان.
أما الفلاح فقد قضى ليلته في هدوء لم يعتده منذ زمن هدوء يشبه راحة الضمير بعد قول الحق وفعل الخير دون انتظار مقابل. وفي الصباح الباكر غادر الفندق دون ضجيج كما دخل أول مرة.
لم ينتظر كلمات شكر إضافية ولم يسع إلى اهتمام أو شهرة. عاد إلى ريفه إلى أرضه وحقوله إلى حياته البسيطة التي أحبها وكأن شيئا لم يتغير في ظاهره.
لكن الحقيقة أن كل شيء كان قد تغير في الداخل.
تلاشى أثره شيئا فشيئا في ضوء الصباح غير أن أثره بقي حيا في القلوب. بقيت قصته شاهدا صامتا على أن العظمة لا تحتاج إلى بذخ وأن الكرامة لا تشترى وأن الاحترام هو الثروة الوحيدة التي لا تزول مهما تبدلت الأحوال وتغيرت الوجوه وتقلبت
الدنيا بأهلها
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.