كانت أنفاسها متقطعة ويداها ترتجفان وهي تعيد طي الرسالة ببطء كما لو أن الكلمات ما زالت ساخنة. شعرت بمزيج غريب من الڠضب والراحة من الألم والأمل كأن قلبها لا يعرف أي شعور يختار بعد الآن. في تلك اللحظة سمع طرق خفيف على الباب متردد حذر كأنه يخشى أن يقطع شيئا مقدسا. هل أنت بخير يا سيدتي جاء صوت ماريسول دافئا مشوبا بالقلق.
مسحت غوادالوبي دموعها بسرعة واستقامت في جلستها ثم قالت بصوت مبحوح لكنه ثابت ادخلي يا ابنتي. دخلت ماريسول ببطء وأغلقت الباب خلفها دون صوت. ما إن وقعت عيناها على وجه غوادالوبي حتى أدركت أن شيئا عميقا قد تغير. لم تعد تلك المرأة المنهكة الصامتة التي دخلت البيت قبل ساعات بل امرأة تستيقظ من عمر طويل من الظلم.
قالت غوادالوبي وهي ترفع نظرها إليها أبوك كان يعرف الحقيقة. تقدمت ماريسول خطوة وجلست قبالتها دون أن تقاطعها. كان يعلم أنني بريئة وكان يعلم من سـ,ـرق المال وأنت كنت تعرفين أيضا أليس كذلك أومأت ماريسول ببطء وعيناها تلمعان أخبرني بكل شيء قبل مۏته. قال إن هذا الحمل كان أثقل ما عاش به. وطلب مني أن أعده بأمر واحد أن أساعدك إن عدت يوما.
ساد صمت ثقيل لكنه لم يكن صمت الألم هذه المرة بل صمت الإدراك. نهضتا معا وتوجهتا إلى الفناء الخلفي بخطوات بطيئة وكأن كل خطوة تحمل ثقل السنين التي انقضت. كانت الشمس تميل نحو الغروب ترسم ظلالا طويلة على الأرض بينما وقفت شجرة البرتقال العتيقة في مكانها صامتة شامخة كأنها حارسة أمينة لسر ظل مدفونا تحت جذورها أعواما طويلة. توقفت غوادالوبي أمام الشجرة وحدقت في جذعها الخشن.
كم مرة جلست تحتها كم مرة احتمت بظلها في أيام كانت الحياة فيها أبسط والأحلام أقرب شعرت بوخزة في صدرها لكنها لم تتراجع. ركعت ماريسول على الأرض وبدأت تحفر بيديها بثبات كأنها تؤدي وعدا مؤجلا. كانت التربة رطبة ومع كل حفنة تراب تزال كانت الحقيقة تقترب خطوة أخرى من النور. وبعد لحظات ارتطم شيء صلب بالمجرفة الصغيرة.
أخرجت صندوقا معدنيا صدئا ثقيلا بدا كأنه يحمل داخله وزن سنوات لا تحصى. وضعته أمام غوادالوبي ثم فتحته ببطء. داخل الصندوق كانت الملفات مرتبة بعناية لافتة أوراق صفراء تحمل تواريخ قديمة تسجيلات صوتية محفوظة بعناية إيصالات مصرفية مختومة نسخ من عقود وأدلة صامتة انتظرت طويلا أن تقرأ. وفي الأعلى وضعت ورقة واحدة مطوية بعناية مختلفة عن غيرها.
اعتراف مكتوب بخط يد رونالدو نفسه موقع ومؤرخ كتب في ليلة سكر لم يتخيل صاحبها أن كلماته ستتحول يوما إلى سلاسل تكبله. مدت غوادالوبي يدها المرتجفة ولمست الصندوق برفق كما لو أنها تخشى أن يختفي إن ضغطت عليه بقوة. في تلك اللحظة لم تكن تلمس معدنا صدئا بل تلمس ثلاثين عاما من حياتها الضائعة ليالي السچن الباردة الإهانات الصمت والاتهام الذي لاحقها دون رحمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.