قرب منه الحاجب، ولمّ الفلوس كلها في شنطة صغيرة، وحطها قدام القاضي. القاضي منصور بص للشنطة، وبعدين أشار لـ “حسن” عشان يقرب منه. حسن خطى خطوتين خايفين، رجيله السمر الصغيرين المترقيعة بنعال مقطوعة كانت بتتكتك على البلاط. وقف قدام المنصة، وراسه لسه مدلدلة. القاضي منصور قال بصوت دافي زي حضـ,ـن أبوي: — “ارفع راسك يا حسن… ارفع راسك يا ابني.
” حسن رفع راسه بالعافية، دموعه كانت عاملة خطوط نضيفة وسط الهباب والتراب اللي مغطي وشه الصغير: — “يا باشا… أنا… أنا والله مش حرامي… أنا بس أمي كانت بتاكل في الشفايف من كتر الجوع، وماكانش عندي حل ثاني… والله طلبت من الناس كلها وماحدش سأل فيّ…” القاضي منصور قام من على كرسيه، ولأول مرة الناس تشوف القاضي بيمشي بروب العدالة الأسود من غير ما ينتظر انتهاء الجلسة، نزل السلالم الخشبية الصغيرة بتاعة المنصة، وقف قدام حسن مباشرة.
حط إيده الكبيرة الحنينة على كتف الولد النحيف وقاله: — “أنت مش حرامي يا حسن… إحنا اللي كنا عميان. إحنا اللي شبعنا وسبناك تجوع. الفلوس دي حقك وحق أمك، مش حسنة ولا صدقة من حد. دي غرامة دفعناها كلنا عشان تقصيرنا في حقكم.” مسك القاضي شنطة الفلوس وحطها في إيد حسن الصغيرة اللي كانت بترتعش. الفلوس كانت كتيرة بالنسبة للولد، مبلغ يغير حياته وحياة أمه بالكامل.
كمل القاضي وهو بيبص في عينين حسن: — “الفلوس دي هتعالج بيها أمك… وهتجيب بيها الأكل اللي تحتاجه، ومن بكره… مش هتمسح عربيات ثاني يا حسن.” حسن اتفاجئ وبص للقاضي بذهول: — “أمال هعمل إيه يا سيادة القاضي؟” القاضي منصور ابتسم ابتسامة خفيفة ظهرت فيها كل طيبة الدنيا وقاله: — “من بكره هتروح المدرسة… أنا هتكفل بمصاريف دراستك لحد ما تتخرج، وهخصص لأمك ماهية شهرية من مكتبي عشان تعيشوا بكرامة.
شرطي الوحيد عليك يا حسن… إنك ترفع راسك، وتتعلم، ولما تكبر وتبقى راجل… ما تنساش اليوم ده، وما تسيبش محتاج مظلوم من غير ما تمد له إيدك.” حسن ماقدرش يستحمل كل الحنان ده، انهار في العياط، ونزل على ركبه يحضن رجلين القاضي وهو بيشهق من فرحة مزجت الوجع بالأمل. القاضي مسكه بسرعة ورفعه لفوق، وحضنه بكل قوته، في مشهد خلا القاعة كلها تتنفض بالبكاء.
المحامين الكبار اللي شعرهم شاب في المحاكم، والستات اللي جم يحضروا قضاياهم، والعساكر القساة اللي معتادين على السجون… كل القاعة كانت بتبكي بالدموع. الحاج عرفة صاحب المحل كان واقف ورا، بص للولد وللقاضي، وحس بنغزة حادة في قلبه. النغزة دي ماكانتش خسارة الـ 1000 دولار، دي كانت خجل شديد من نفسه.
افتكر إزاي مسك الولد من قفاه وضـ,ـربه لما حاول يهرب بالعيش، افتكر إزاي الولد كان بيترجاه ويقوله “أمي عيانة يا بيه”، وهو كدبه ورمال البوليس. قرب الحاج عرفة بخطوات بطيئة، ووقف قدام حسن والقاضي. القاضي بص للحاج عرفة بحزم: — “فيه حاجة ثانية يا حاج عرفة؟” الحاج عرفة نزل راسه في الأرض، وقال بنبرة مكسورة تماماً: — “يا سيادة القاضي… أنا راجل حجيت بيت ربنا ثلاث مرات، بس النهارده بس حسيت إني ما أعرفش حاجة عن الدين ولا العدل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.