شبـ,ـح المـ,ـوت بقلم الكاتب احمد محمد شرقاوي

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

"الإله دائما ما يرى ويسمع" قالها المذيع الشهير وهو يسترخي على كرسيه الوثير ناظرا لهذا الضيف الذي بادره بنظرة متعالية وأجاب: - نحن أناسٌ قد وصلنا إلى القمر بالتجارب العلمية المرئية لا بتلك الخرافات التي تقول أن هناك إله يرانا ولا نراه, وإن كان كذلك فلماذا يجعل من نفسه شيئا غير مرئيا عِندها اشتد الحوار بين المذيع والضيف حتى انتهى ببعض اللعـ,ـنات التي صبها المشاهدون على هذا الضيف المُ-لحد الذي ينكر بوجود الإله, الضيف الذي أنهى الحوار بكلماته تلك: - لن أصدق أبدا بوجود هذا الإله الذي يعذب البشر في نار الجحيم فقط لأنهم عصوه, قل لي لماذا يعذب الإله بكل تلك القسوة أناس لا يستحقوا كل تلك القسوة وخرج الضيف بابتسامة تزين محياه وهو يعي جيدا كم الجدل الذي ستتسبب فيه تلك الحلقة التي ستدر عليه مبلغا جيدا من المال, المال الذي يستحق العبادة لا هذا الإله المزعوم.

. وفي المساء كان يجلس على كرسيه أمام التلفاز يتابع لقائه المثير للجدل على تلك القناة متبسما, يتخيل كم المال والشهرة اللتان سيحصل عليهما في الأيام المقبلة, ولكن فجأة اختفى وجهه من على الشاشة لتظهر تلك المذيعة غير المهندمة وهي تمسح حبات من العرق تتقطر عن جبينها قائلة: "أعلنت وكالة الفضاء منذ دقائق عن اقتراب نيزكا هائل الحجم يبلغ حجمه ضعف حجم كوكبنا تقريبا, وبعد لحظات سنعرض لكم اقتراب النيزك من خلال التليسكوب الفضائي والذي سيصطدم بكوكبنا خلال أربعة وعشرون ساعة فقط, يبدو أن الإله قد أراد أن يفنى كوكبنا عن آخره" ووقعت الكلمات على أذنيه كالصواعق الرعدية في ليالي ديسمبر الباردة, وسال عقله كما تسيل الحمم الملتهبة, إنها النهاية التي لطالما هرب من التفكير فيها تقف أمام عينيه كالشمس في وقت الظهيرة.

. إنه المـ,ـوت يقف على قارعة الطريق يراقبه بسخـ,ـرية وهو يعي أنه قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من اصطياده في شباكه.. في تلك اللحظات سمع رنين هاتفه ففزع أيما فزع ثم أجاب سريعا فسمع تلك الكلمات: - بعد ساعات سترى هذا الإله الذي لطالما أنكرت وجوده وسيكون الجحيم ملاذك واقشعر بدنه أكثر وأكثر, لحظات أخرى تمر من الرعب النقي ودقات القلب الملتـ,ـهبة ليفزع من جديد على صوت رنين هاتفه, وما إن أجاب حتى سمع صوت المذيع: ما رأيك الأن, هل لازلت تنكر وجود الإله ؟

؟ وقتها كان لسانه يرتعش كطائرٍ مبتل فلم يقدر على الإنكار, هناك شيئا ثقيلا يجثم على صدره ويخبره باستحالة أن يمـ,ـوت كل هؤلاء ويذهبون إلى العدم, سوف ينتقلون إلى عالم أخر, وهناك سيكون من المغضوب عليهم لأنه أساء لخالق هذا العالم, إنه المـ,ـوت خير الدروس وأشدها وقعا على النفس, أفاق على صوت المذيع الذي تابع: - ما رأيك أن نذيع حلقة جديدة غدا قبل اصطدام النيزك بنصف ساعة فتمـ,ـوت وأنت تتابع حديثك بإنكار وجود الإله, لنرى ما مدى قوة معتقدك وأصبح بين النار والغرق, فالنـ,ـار تتمثل في الاحـ,ـتراق بالنيزك, والغرق يتمثل في رفض عرض المذيع والغرق في كذبة المعتقد الذي آمن به طوال حياته, وفي النهاية تفوه بكلمةٍ واحدة: - سأحضر غدا واندس خلف الغطاء وقلبه يطرق صدره بكل قسوة وجسده يرتجف كطفلٍ تاه عن أمه في سوقٍ مكتظ بالأمهات وجاء ليل ما قبل النهاية, واشتدت قطع الليل المُظلمات عليه حتى شعر كأنه يغوص بين دوامات من الظلام الدامس, يرى النار الملتهبة وهي تناديه ويسمع أصوات الزبانية تتوعده بالمطارق, يسمع صوت المُهل وهو يغلي قبل أن يسقط فوق رأسه, الأن فقط يُدرك ويعي أنه أنكر الحقيقة المطلقة التي لا يجب أن ينكرها عاقلا.

. الأن فقط يعي ويشعر بالإله من حوله في كل مكان.. في هذا السكون.. وهذا الخوف الذي شق قلبه إلى فتات.. حتى هذا النيزك قد جاء بأمر الإله, ولربما جاء بسببه هو من يدري, لقد استنفذ كل رصيده عند الإله وقد أصبح وجها لوجه مع غضب الخالق نفسه, وياله من موقف مهيب..

كانت ليلة من أحلك الليالي سوادا وأشدها فزعا, لعل السقوط في الجحيم لن يكون بمثل هذا الفزع, فها هو يتيقن من بعد تيقنه بوجود الخالق بتلك المقولة التي تقول "وقوع البلاء ولا انتظاره" وأشرقت الشمس وهو أسفل الغطاء يرتجف كما هو, ينتفض, يبكي بأدمعٍ يعي أنها لن تشفع له أبدا, فالزباـ,ـنية قسـ,ـاة القلوب إن كان لديهم, غلاظ الطبع, وجهنم تحرق ولا تبالي..

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق