بنتي بقلم الكاتبه مشيره محمد

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

بنتي نسيت تقفل الخط.. وسمعت بالصدفة أبشع كلام ممكن أم تسمعه. المكالمة جت الساعة 9:06 الصبح، بالظبط وأنا بصب كوباية الشاي التانية. صوفيا بنتي مابتكلمنيش غير لما تكون عايزة حاجة، مابتفتحش مواضيع تانية. المرة دي كانت عشان “تابلت” لوسيا (حفيدتي). قالت لي إنه اتكسر تماماً، وهي محتاجاه ضروري عشان الامتحانات قربت. أنا مسألتش عن أي تفاصيل، مابقتش بعمل كدة خلاص.

قلت لها: «من عيوني يا حبيبتي، هحولك الـ 9000 بيزو بعد الفطار»، مع إني عارفة إنها بتفضل التحويل الرقمي السريع عن الشيكات. ردت عليا: «شكراً يا ماما، إنتي بجد أحسن أم في الدنيا». الخط قطع.. أو ده اللي هي افتكرته. حطيت الموبايل وأخدت رشفة من الشاي، وفجأة سمعت الصوت.. ضحكة رجالي رخمة.. دييغو (جوزها). وبعدين صوت صوفيا طالع حاد زي الموس: «دي نية لدرجة هبلة!

هي فاكرة بجد إننا هنروح نزورها لو مدفعتش تمن كل حاجة؟» اتسمرت مكاني.. الكوباية بدأت تتهز في إيدي. لوسيا (الحفيدة) كملت بضحكة صفرا: «دي فاكرة إن كيكة الليمون اللي بتعملها هي اللي بتشتري حبنا ليها!» وضحكوا هما التلاتة ضحكة متدربة ومقرفة. دييغو سألها وهو بيمضغ أكل: «وهي بعتت الفلوس تاني؟» صوفيا ردت: «أيوه، قلت لها عشان التابلت، مع إن لوسيا بتستعمل التابلت بتاعي طول الأسبوع ومن غير ما تسأل.

. الحقيقة الموضوع يحزن شوية». قالتها بنبرة مش شفقة، لا.. دي كانت نبرة “صعبانية” مهينة: «هي بس عايزة تحس إن ليها لازمة». حسيت بص,,دري بيضيق، ضيق تقيل زي ما يكون فيه جبل بيتبني فوق قلبي. وقفت مكاني مابتتحركش والموبايل على الترابيزة لسه فاتح وناقل كل كلمة. وبعدين صوت لوسيا وهي بتوطي صوتها: «المرة دي هتم,,وت وهي فاكرة إننا بنحبها بجد». دييغو ضحك وقال: «هتم,,وت وهي فاكرة إن ليها قيمة».

قفلت الخط بالراحة وبقصد. السكوت اللي ملى البيت بعدها كان ليه رنين يخوف. بصيت لعلبة السكر السيراميك اللي صوفيا رسمتها لي وهي عندها 10 سنين.. كانت ودن الأرنب مكسورة. أخدت الشاي وقعدت على ترابيزة المطبخ. إيدي مكنتش بترعش، ولحد دلوقتي لسه ثابتة. فتحت درج المكتب اللي ملمستوش من سنين.. درج “مقب,,رة الحدود” اللي معرفتش أحطها لنفسي زمان. فتحت الدرج وسمعت صرخة المعدن وهو بيفتح.

صور شيكات قديمة.. مصاريف جامعة لوسيا.. فواتير تصليح حمام بيتهم.. وعقد الرهن العقاري اللي مضيت عليه كضامن ليهم من غير تفكير. وقتها كنت فاكرة إن ده “حب”.. كان واجبي كأم. طلعت الآلة الحاسبة القديمة بتاعتي.. زرايرها بتعلق بس لسه شغالة. بدأت أحسب: دعم الرهن العقاري: 360,000. عملية أسنان صوفيا: 54,000. معسكر الكمان بتاع لوسيا: 24,000. ده غير اللي ملوش فواتير. بدأت أرص الأرقام في نوتة قديمة.

. عمود ورا عمود.. سنة ورا سنة.. 2015.. 2016.. 2017. عرفت إن اسمي كان “الختم” اللي بيخلص كل مشاكلهم، بس العناوين كانت مختلفة. جرد الحساب قعدت ساعات، والنهار بدأ ينسحب من الشباك والضلمة بدأت تفرش في المطبخ، وأنا لسه ماسكة القلم. الأرقام كانت بتكبر، والوجع كان بيتحول لبرود غريب. حسبت كل مليم، من أول مصاريف الجامعة لحد تمن العشا اللي كنت ببعته “دليفري” لما صوفيا تقول إنها تعبانة ومش قادرة تطبخ.

لقيت إني صرفت عليهم “ثروة”. ثروة مكنتش مجرد فلوس، دي كانت “عمر”. كانت ساعات شغل إضافية في المكتبة، كانت تضحية بخروجاتي ولبسي وراحتي عشان “الباشا” دييغو يسكن في بيت شيك، وعشان “الهانم” لوسيا تروح أحسن مدارس. فجأة الموبايل رن.. “صوفيا”. بصيت للاسم على الشاشة.. قلبي مدقش زي كل مرة. كنت دايمًا بخاف تكون محتاجة حاجة ومقدرش أعملها، بس المرة دي كنت ببص للاسم وكأني ببص لعدو. رديت ببرود: «أيوه يا صوفيا».

قالت بدلعها المعتاد اللي كنت بصدقه: «ماما حبيبتي، إيه الأخبار؟ حولتي الـ 9000؟ لوسيا قاعدة جنبي وهتطير من الفرحة». قلت لها وهدوئي بيخوفني أنا شخصيًا: «لسه يا حبيبتي، أصل البنك طلب تحديث بيانات.. تعاليلي بكرة الصبح إنتي ودييغو ولوسيا، محتاجة أمضيكم على ورقة صغيرة عشان التحويل يكمل». قالت بلهفة: «طبعاً يا ماما! هنيجي أول ما نصحى.. إنتي بجد مفيش زيك». قفلت الخط.. وضحكت. ضحكة قصيرة ومرة. فعلاً مفيش زيي.. مفيش زيي في الهبل والاستغلال.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق