قلتله بصوت ثابت يمرجح جبال: “مفيش يا حبيبي، شوية صداع بس.. روح أنت شغلك ومتقلقش.” أول ما قفل الباب، الدنيا لفت بيا. قعدت على أقرب كرسي ونفست عن بركاني بصرخة مكتومة في المخدة. بس الصرخة مبردتش ناري. مسكت الموبايل، وصورت كل “سكرين شوت” أخدتها بالليل من موبايله وبعتها لنفسي، ومسحت كل أثر من جهازي. بدأت رحلة البحث. الاسم اللي شفته في الرسائل كان “هبة”.
عرفت أوصل لعنوانها من تفاصيل رسايل “أوبر” اللي كان بيبعتها لها. ركبت تاكسي ورحت للعنوان.. حي هادي، عمارة نضيفة، وفي المدخل شفت عربيته! العربية اللي قالي إنه بايعها عشان يكمل تمن أرض لينا، طلعت مركونة تحت بيت “الست التانية”. وقفت بعيد، وشفتها.. شفت “هبة” وهي نازلة وشايلة “ياسين”. طفل صغير، نسخة مصغرة من عصام، بيضحك نفس ضحكته. في اللحظة دي، حسيت إن السـ,ـكينة اللي في ضهري لفت ودبحتني بجد.
هي كانت بتبتسم، ملامحها هادية، وكأنها متعرفش إن سعادتها مبنية على أنقاض حياتي.. أو يمكن تعرف ومش فارق لها. رجعت البيت، وقعدت مع نفسي. الست الضعيفة اللي جوايا كانت عايزة تروح تشدها من شعرها وتفـ,ـضح عصام في وسط الشارع. بس “سلوى” الجديدة، اللي اتولدت في ضلمة المطبخ بالليل، قالتلي: “الوجع اللي بجد، هو اللي بيتاخد على نار هادية.” فتحت درج المكتب، طلعت عقود الشقة، وتوكيل عام كان عاملهولي من سنين عشان أدير أملاك والده.
اكتشفت إنه كان بيسحب من رصيدنا المشترك مبالغ دورية.. مبالغ كانت بتتحول لحساب “مجهول”. بالليل، رجع عصام ومعاه شنطة فاكهة وضحكة عريضة. “سلوى، أنا بفكر نطلع مصيف الأسبوع الجاي، العيال محتاجين يغيروا جو.” بصيت له في عينه مباشرة، وطولت النظر أوي لحد ما ارتبك. قلتله: “والله يا عصام؟ ولا عشان ياسين ابنه سخن ومحتاج يغير جو هو كمان؟” الشنطة وقعت من إيده، والفاكهة اتطوحت على الأرض. ملامحه اتخطفت، والدم هرب من وشه.
اللحظة اللي كان فاكر إنها مش هتيجي أبدًا، كانت بتخنق أنفاسه دلوقتي. حكايات رومانى مكرم “سلوى.. أنتِ فاهمة غلط.. والله هفهمك..” صوته كان مهزوز، طالع من حنجرة ناشفة. ضحكت ضحكة قصيرة، باردة، خلت جسمه يقشعر. “فاهمة إيه غلط يا عصام؟ إن ياسين مش ابنك؟ ولا إن بقالك سنتين فاتح بيت تاني بفلوسي وشقايا وتنازلاتي؟ ولا إنك كنت بتنام جنبي وأنت لسه طالع من حـ,ـضن واحدة تانية؟
” قرب مني يحاول يمسك إيدي، رجعت خطوة لورا بقرف كأني شايفة كائن غريب. “ملمسنيش.. إيدك دي اللي طبطبت على ياسين وباست أمه، متمسنيش تاني.” قعد على الكرسي وهز راسه بين إيديه، وبدأ يمثل دور الضحية اللي حافظه: “هي اللي جرت رجلي.. كنت وحيد، كنت مضغوط من طلبات البيت والعيال، وهي ريحتني.. بس والله ما بحبها زيك، أنتِ الأصل يا سلوى.
” “الأصل؟” الكلمة كانت بتتحـ,ـرق في بقي. “الأصل اللي سـ,ـرقت ورثها عشان تفرش شقة الست اللي ريحتك؟ الأصل اللي كنت بتكذب عليها وتقولها الشغل متأخر وأنت بتلعب مع ابنك التاني؟” طلعت من شنطتي ورقة، وحطيتها قدامه على الترابيزة بكل هدوء. كانت كشف حساب البنك اللي سحبه الشهور اللي فاتت، وصورة من عقد الشقة التانية اللي قدرت أوصل لبياناته. “اسمع يا عصام.
. الندم والدموع دي وفرها لنفسك. أنا مش “سلوى” الطيبة اللي كانت بتصدق إنك سهران في الاجتماعات. أنا دلوقتي الست اللي هتاخد حقها وحق ولادها تالت ومتلت.” بص للورق وبدأ وشه يقلب للون الخوف الحقيقي. “أنتِ ناوية على إيه يا سلوى؟ هتفضحيني؟ هتخربي البيت؟” قربت منه وهمست في ودنه: “البيت اتخرب من سنتين يا حبيبي.. يوم ما قررت إننا مش كفاية عليك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.