اكتشفتُ أن المرأة التي كنتُ أنظف منزلها مقابل 200 دينار… هي أمي الحقيقية

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

ضحكت. ليس من السعادة. بل من العبث. في صباح ذلك اليوم لم أكن أملك ثمن العشاء، وفي الليل كانوا يخبرونني أن فقري كان يُدار بأيدي لصوص من دمي. قلت لا أعرف كيف أكون غنية. أغلق كاتب العدل الملف. كوني ابنة أولًا. حطمتني الجملة. ذهبت إلى المستشفى حيث كانت أمي تتلقى العلاج.

دخلت والصورة في يدي. رأتني وعرفت. الأمهات اللواتي يخفين الحقائق يعرفن دائمًا يوم عودة الكذبة وهي ترتدي حذاءً. همست آنا سألتها منذ متى؟ بكت قبل أن تجيب. منذ ثمانية أشهر. جلست بجانب سريرها. وقبل ذلك؟ قالت قبل ذلك كنت أعرف فقط أن لؤي أحضرك في إحدى الليالي، وقال إن أمك ماتت، وإنني إن لم أقبلك فسيتركك في الشارع. أغمضت عيني. وصدقتِه؟ أردت أن أصدقه. انكسر صوتها.

لأنني لم أستطع الإنجاب يا آنا، ولأنك نظرتِ إليّ بعينين واسعتين، فأصبحت أنانية في ثانية واحدة. لم أستطع أن أكرهها. وهذا أغضبني. كان من الأسهل أن أكسر علاقتي بالجميع. قالت عندما وجدتني كريمة، ظننت أنها جاءت لتأخذك مني. ولماذا لم تخبريني؟ لأنها طلبت وقتًا. وأعطيتها الوقت؟ لأنها كانت تموت. دخلت الجملة ببطء. سرطان؟ أومأت أمي. لم تكن تريد أن تعتني بها بدافع الواجب، ولا بسبب الميراث، ولا بدافع الشفقة.

تذكرت الحاجة كريمة وهي تتظاهر بالقسوة بينما أعدّ لها الشوفان. تذكرت سؤالها عن الجنازة. لم توظفني لتختبر قلبي فقط. وظفتني لتمنح نفسها، قبل الموت، أشهرًا قليلة من الأمومة. أمسكت أمي بيدي. سامحيني. قلت لا أعرف كيف. لا أطلبه اليوم. تركتِني أنظف بيت أمي مقابل مئتي دينار. غطت أمي وجهها. وكل يوم خميس كنت أموت من الخجل.

لكن ليس بما يكفي لتخبريني. تركتنا تلك الحقيقة في صمت. وفي النهاية احتضنتها. ليس لأنها نالت الغفران. بل لأنها المرأة التي ربّتني، ولأنني في تلك الليلة كنت قد خسرت أمهات كثيرات. كانت الشهور التالية مليئة بالمحامين، وتحاليل الحمض النووي، والجلسات، والصحفيين الذين أرادوا تحويل وجعي إلى قصة إنسانية. أكد التحليل ما كان جسدي يعرفه بالفعل. الحاجة كريمة كانت أمي. وجلال مراد كان أبي.

أما لؤي مراد، الرجل الذي سجلني باسمه، فقد مات قبل ثلاث سنوات في مدينة بعيدة دون أن يعترف بشيء. حوسب إخوة كريمة بتهم الاختفاء، والتزوير، والاستيلاء، والتواطؤ مع أشخاص فاسدين من المستشفى. حاولت سمر أن تطلب مني السماح أثناء نقلها. لم نكن نعرف أنك ستتألمين إلى هذا الحد. نظرت إليها. أخذتم أمي مني. خفضت رأسها. ونحن أيضًا فقدناها. قلت لا. أنتم امتلكتموها وأهدرتموها.

بعت العقار البعيد لأدفع علاج أمي التي ربّتني، ولأفتح مؤسسة صغيرة للنساء العاملات في الرعاية والتنظيف. ليس لأنني قديسة. بل لأنني أعرف معنى أن تنظف بيوت الناس وأنت جائعة وخائفة من أن يفتش أحد حقيبتك. لم أبع بيت جبل اللويبدة. دهنت جدرانه. وأصلحت الأصص. وفتحت النوافذ. أخرجت سرير الطفلة من الغرفة الخلفية، لكنني لم أرمه. تبرعت به لفتاة حامل من الحي، ومعه ورقة كتبت فيها ليكن هذا السرير لطفلة منتظَرة.

وحولت الغرفة إلى مطبخ مجتمعي. كل يوم خميس كنت أقدم الشوفان بلا سكر، والقهوة، وقطعة خبز حلو مقسومة إلى نصفين. في البداية قال الناس إنني مجنونة. ثم بدأت تأتي نساء مسنات وحيدات، وفتيات بملابس عمل، وطالبات بحقائب ممزقة. كنت آخذ ما يستطعن دفعه. وأحيانًا لا آخذ شيئًا. علقت على الحائط صورة الحاجة كريمة شابة وهي تحمل الطفلة. لم أكتب القصة كاملة. كتبت فقط تحتها كريمة وآنا وجدتا بعضهما متأخرتين. بعد عام، حملت الزهور إلى قبرها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق