اكتشفتُ أن المرأة التي كنتُ أنظف منزلها مقابل 200 دينار… هي أمي الحقيقية

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

كل يوم خميس كنت أقدم الشوفان بلا سكر، والقهوة، وقطعة خبز حلو مقسومة إلى نصفين. في البداية قال الناس إنني مجنونة. ثم بدأت تأتي نساء مسنات وحيدات، وفتيات بملابس عمل، وطالبات بحقائب ممزقة. كنت آخذ ما يستطعن دفعه. وأحيانًا لا آخذ شيئًا. علقت على الحائط صورة الحاجة كريمة شابة وهي تحمل الطفلة. لم أكتب القصة كاملة.

كتبت فقط تحتها كريمة وآنا وجدتا بعضهما متأخرتين. بعد عام، حملت الزهور إلى قبرها. لم أذهب وحدي. ذهبت مع أمي التي ربّتني على كرسي متحرك. وضعت أمي باقة بيضاء وقالت شكرًا لأنك تركتِني أحبها. لم أعرف إن كانت كريمة ستقبل هذه الكلمات. لكن الريح حرّكت الزهور كأن أحدًا تنفس. أخرجت الرسالة الأصلية من حقيبتي.

وقرأتها مرة أخرى قرب القبر. هذه المرة لم تكسرني كما في المرة الأولى. القراءة الأولى أخذت الأرض من تحتي. أما الثانية فأعطتني جذرًا. قلت للقبر لا أعرف إن كنت أسامحك لأنك صمتِّ لكن شكرًا لأنك بحثتِ عني. بكت أمي التي ربّتني. وبكيت أنا أيضًا. ثم أخرجت ورقتين نقديتين قديمتين ومطويتين، آخر مال رماه سامر نحوي في الجنازة. وضعتهما فوق القبر. آخر أجر لي يا حاجة كريمة.

ثم رفعتهما. لا، الأفضل لا. نظرت أمي إليّ باستغراب. سنشتري بهما خبزًا. ولأول مرة منذ بدأ كل شيء، ضحكت. لم تكن ضحكة عالية. لكنها كانت حقيقية. في ذلك المساء فتحت البيت وقدمت القهوة لعشر نساء. كانت إحداهن امرأة مسنة سألتني كم آخذ مقابل التنظيف. نظرت إليها. كانت يداها ملوّثتين بالصابون، وعيناها عيني امرأة طلبت القليل طوال حياتها. قلت لها مئتا دينار. خفضت نظرها. لا أملك أكثر.

وضعت أمامها رغيفًا كاملًا. لم أسألك. وبينما كانت تأكل، فهمت أخيرًا الطريقة الخشنة التي أحبتني بها كريمة. لم تكن تعرف كيف تكون حنونة دون أن تأمر. ولم تكن تعرف كيف تطلب الغفران دون أن تخفي مفتاحًا. ولم تكن تعرف كيف تقول ابنتي دون أن تضع أولًا مكنسة بيننا. لكنها بحثت عني. ووجدتني.

ورغم أنها تركت لي حقيقة أثقل من أن أحملها دفعة واحدة، تركت لي أيضًا بيتًا لا تشعر فيه أي فتاة جائعة بأنها نفاية فقط لأنها تحتاج إلى عمل. ما زلت أنظف حتى اليوم. أنظف الطاولات، والقدور، والأرضيات، والذكريات. لكنني لم أعد أنحني برأسي عندما يقول أحدهم فتاة الممسحة.

لأن تلك الممسحة أخذتني إلى باب كان يجب أن يُفتح يوم وُلدت. وكل خميس، عندما أقسم الخبز الحلو إلى نصفين، أشعر أن الحاجة كريمة تجلس أمامي، جادة كالعادة، تتظاهر بأنها لا تبكي بينما أتجرأ أخيرًا على أن أناديها أمي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق