عزومات حماتي حكايات منــال عـلـي

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

.. هي بتتكلم عن إيه؟! ومين ده اللي محدش خد باله منه؟! وفاكرينها بخيلة ليه؟! قربت خطوة واحدة من باب الأوضة، ولسه هسمع بقية الكلام... سمعت صوت المفتاح بيلف في باب الشقة، وصوت جوزي وهو بينادي أنتِ فين يا حبيبتي؟ وفي نفس اللحظة، حماتي خرجت من الأوضة بسرعة. أول ما شافتني واقفة جنب الباب وشها اتغير تمامًا، وبصت لي بنظرة عمري ما هنسى رعبها، وقالت بصوت واطي ومخيف أنتِ.

.. سمعتي إيه?! الجزء الثاني والأخير فضلت باصة لحماتي، وقلبي بيدق بعنف، كأن في مطرقة جوه صدري. هي كمان فضلت باصة لي، وقفتها كانت ثابتة بس عينيها بتتحرك بسرعة، كأنها بتمسح ملامح وشي عشان تعرف أنا سمعت إيه بالظبط، ووصلني قد إيه من السّر اللي عاشت دفناه سنين. بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أبتسم رسمية وهي بتقول واقفة عند الباب ليه يا منار؟ قلت بسرعة ونبرتي مهزوزة ولا حاجة يا ماما.

.. كنت داخلة أشرب مية، وحسيت بنغزة في رجلي فسندت. فضلت تبصلي ثواني طويلة... ثواني مرت عليا كأنها ساعات. نظرتها المرة دي كانت مختلفة تماماً عن كل المرات اللي فاتت. ماكانتش نظرة الست الشديدة اللي بتمسك في الصغير والكبير، ولا الست اللي بتعد القطع في الطبق، ولا حادة زوايا الكلام. لأول مرة أشوف عينيها بالشكل ده... لا فيها قسوة ولا عصبية، بالعكس... كان فيها تعب عمر كامل، انكسار قديم مستخبي ورا ظهر مشدود بالعافية.

قالت بصوت واطي وخافت جداً، صوت مسمعتهوش منها قبل كده تعالي يا منار... تعالي عايزاكي في حاجة. مشيت وراها بخطوات بطيئة، كأني داخلة مكان مهجور ومحمل بأسرار أصحابها. دخلت وراها أوضة الصالون، وهي قعدت على الكنبة القديمة اللي خشبها مقشر، وأشارت لي أقعد قدامها. أول ما قعدت، بصيت في وش الحاجة فاطمة بتركيز. التجاعيد اللي جنب عينيها ماكانتش مجرد سنين كبرت، دي كانت خطوط مرسومة بالخوف والضغط.

قالت وهي بتبص للترابيزة اللي بيننا بصوت مبحوح إنتي فاكراني بخيلة... صح يا بنتي؟ ماعرفتش أرد. اللسان اتعقد. كنت هقولها إيه؟ أقولها إن كل البيت شايفك كده؟ إن فاطمة وإيمان أخوات جوزي بيتودودوا من وراكي؟ إن العيال الصغيرة بيخافوا يطلبوا فاكهة؟ حطيت وشي في الأرض وكتفت إيديا. ابتسمت ابتسامة حزينة، شفايفها اترعشت وهي بتقول ما تخافيش، قولي. كلهم فاكريني كده.

.. إنتي، وأحمد جوزك، ونهى أخته، والعيال... حتى الناس اللي برة بيمشوا يتهامسوا ويقولوا أم أحمد بتمسك الجنيه لما يعيط. قامت من مكانها ببطء شديد، وركبتها أطلقت صوت طقطقة خفيف، مشيت ناحية أوضة النوم القديمة. فضلت قاعدة مستنية والفضول ويا الخوف بياكلوا في قلبي. رجعت بعد دقيقتين، شايلة بين إيديها علبة معدنية كبيرة بتاعة بسكوت قديمة، الصدأ آكل حرفها من الجوانب، ومتشالة في قماشة سودة كأنها حتة من روحها.

حطتها قدامي على الترابيزة برفق شديد، كأنها بتحط طفل صغير، وقالت ونفسها متقطع خفيف افتحيها يا منار. مديت إيدي وأنا بترعش، مسكت غطا العلبة الناشف وفكيتها ببطء... واتصدمت. عيني اتسعت وما صدقتش اللي شايفاه رزم فلوس... فلوس فئات مختلفة، منها ورق قديم جداً من بتاع زمان اللي مابقاش ينزل منه، ورزم جديدة ملفوفة بأستك. وجنب الفلوس، دفترين توفير كبار، وإيصالات أمانة، وأوراق تسديد مخرومة، وورق مدموغ بإختام قديمة باهتة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق