.. مش عشان البخل والله... ولا عشان أنا مستخسرة فيكم المية... أنا حرمتكم عشان كنت خايفة عليكم. كنت خايفة الزمان يغدر بيكم زي ما غدر بأبوكم من بعده، وكنت خايفة تسدوا ديون وتقفوا على الأبواب. نهى وقفت مكانها مشدوهة، ودموعها نزلوا فوراً قبل ما تفهم كل التفاصيل، جريت عليها بحفاوة وحضنتها جامد وهي بتعيط وبتقول سامحينا إحنا يا أمي... سامحينا إحنا اللي ما فهمناش ولا حسنا بيكي.
وأحمد قرب بخطوات ثقيلة، كان باين عليه الصدمة وهو بيبص للعلبة المفتوحة والأوراق القديمة ورزم الفلوس، مسك إيد أمه وباسها بلهفة وحرارة، وبعدها حضنها لأول مرة من سنين طويلة... حضن كان فيه اعتذار عن كل ظن سيء وكل كلمة اتقالت في غيابها. الجو كان محمل بمشاعر تقيلة، دموع ومسامحة ووجع سنوات بيدوب في لحظة.
وفجأة... وسط الدموع والحضن والهدوء المفاجئ، حفيدها الصغير ياسين قرب منها بخطوات خجولة، مسك في جلابيتها ورفع وش الصغير وبص لها ببراءة وقال يعني يا تيتة... دلوقتي ينفع آكل الموز اللي في التلاجة كله وما تزعليش؟ بصينا لبعض... الموقف كان غريب وغير متوقع، وفي لحظة تحول البكاء والوجع لضحك طالع من جوه قلوبنا. انفجرنا كلنا في الضحك وسط الدموع، ضحك طالع بعد سنوات من الكتمة والضغط.
الحاجة فاطمة طبطبت على راس ياسين وابتسمت ابتسامة صافية أول مرة أشوفها، ابتسامة مافيهاش أي خوف أو حذر كول يا حبيب تيتة... كول بالهنا والشفاء، الموز كله بتاعك يا ياسين. ومن اليوم ده... حياتنا في البيت اتغيرت تماماً. السفرة بقت تتغير، الخوف اللي كان مخيم على البيت اتمسح. السمكة بقت تنزل كاملة ومقرمشة ومحدش بيقسمها بالنص. والفرخة رجعت تتقطع أربع أرباع زي أي بيت مرتاح ومبسوط.
والفاكهة بقت محطوطة في طبق كبير في نص الترابيزة، والعيال رايحين جايين ياكلوا منها من غير ما حد يعد عليهم أكلوا كام واحدة. لكن الحاجة الوحيدة اللي ما اتغيرتش... والحمد لله إنها ما اتغيرتش... إن الحاجة فاطمة كل ما تقعد معانا على السفرة وتحط الأكل قدامنا، كانت تبص لنا كلنا بنظرة رضا دافية، تبتسم وتعدل شالها وتقول كلمتها اللي بقت قانون بيتنا النعمة رزق... والرزق لما يتشارك... بيزيد وما ينقص أبداً. تمت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.