طارق بدأ يتلعثم وصوته يرعش: د… دي كانت فلوس البيت، ونيرة كانت عارفة، هي اللي قالتلي اتصرف في مصاريف الولادة ومصاريفنا… نيرة قاطعته بصوت حاد ومسموع قطع حبل كدبه: أنا قولتلك اتصرف في حدود عشرين ألف جنيه للمستشفى والحضانة لو احتجنا! مقولتلكش افتح خزنتي ووزع على عيلتك عشان ترضيهم على حسابي وحساب بناتي! كنت فاكرني نايمة في العسل ومش عارفة الرسايل اللي بتجيلي على خطي التاني؟ طارق اتصدم وبص لموبايلها: خط تاني إيه؟
نيرة رفعت موبايلها القديم الصغير اللي كان مستخبي في جيب إسدالها: الخط اللي مربوط بالبنك من الأساس ومغيرتش رقمه ولا خليتك تعرفه. كل مليم سحبته كان بيوصلي بيه إشعار لحظي، وكنت ساكته، عارف ليه؟ عشان كنت مستنية أشوف عينتك هتفضل واطية لحد فين! قولت يمكن لما يشوف بناته في حضنه قلبه يلين وينضف، يمكن يستحي ويقول بناتي أولى… لكن أول ما دخلت البيت لقيتك حاططلي تلاجة وكاتب عليها أساميكم وكأننا شحاتين داخلين عليكم سبيل!
الحاجة فتحية لقت الكلام رايح في سكة وحشة أوي والفلوس اللي اتوزعت على عيالها التانيين هتتفضح وممكن تتحبس هي وابنها، فبدأت تلعب على وتر تاني: الله يسامحك يا بنتي… الله يسامحك، ده إحنا كنا بنوفرلك ونرتبلك العيشة، والفلوس دي طارق كان هيرجعها قرش ينطح قرش من جمعياته، مش إحنا اللي ناكل مال حد!
الحاج عبد الحميد خبط بعكازه خبطة تقيلة على البلاط خلت الكل يسكت تماماً: المال ده هيرجع، وده مش خيار، ده إجباري. بس قبل ما نتكلم في الفلوس، طارق ينزل دلوقتي حالا زي الشاطر يلم كل كراكيبه وهدومه من الأوضة دي، ووالدته تدخل تلم شنطتها من أوضة عيالي، عشان البنات عايزين يرتاحوا وريحة النفاق دي لازم تطلع من الشقة فوراً.
مصطفى بص في ساعته وقال: باقي عشرين دقيقة يا طارق. لو رجلكم معتبتش برة الباب مع رنة التايمر، المحضر هيروح، وتنسى بقى وظيفتك في شركة المقاولات عشان الصحيفة الجنائية هتفضل منورة بقضية سرقة وخيانة ائتمان. طارق حس إن كل الحبال اتقطعت، والرجولة المزيفة اللي كان لابسها إمبارح وهو بيتبغدد بالتلاجة ساحت كأنها حتة زبدة على نار حامية. لف وشه من غير ما ينطق ولا كلمة، ومشي بخطوات مكسورة ناحية أوضة النوم عشان يلم هدومه.
فتحية جريت وراه الأوضة، وقفلت الباب وراهم، ومن ورا الخشب كان صوت همسها العالي وزعيقها المكتوم طالع: شوفت أهو؟ شوفت أخرة عمايلك السودة؟! مش قولتلك استنى لما نسجل الشقة باسمك الأول؟ أهو رمتك رمية الكلاب وفضحتنا قدام إخواتها! طارق رد عليها بقهرة وغيظ: أنتي اللي قولتيلي اتقل واكسر عينها من أول يوم عشان متطلبش مصاريف زيادة وتشتغل وتصرف هي! أنتي اللي ورطتيني في سحب الفلوس بتاعة ورشة وائل وعربية سحر!
برة في الصالة، نيرة قعدت على الركنة بتعب، أحمد جابلها كباية مية دافية وحط إيده على كتفها بحنية: ارتاحي يا حبيبتي، خلاص الكابوس بيخلص، وراسك تفضل مرفوعة دايماً. الحاج عبد الحميد قرب منها وباس راسها: بناتك هيكبروا وسط رجالة يشيلوهم على كفوف الراحة يا نيرة، ومفيش حد يقدر يذلهم بلقمة عيش ولا شربة مية طول ما فيا نفس.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.