أنت اللي رميت أمك وجبتلنا الخراب!” وقفت قدامها في المستشفى، ووشي خالي من أي تعبير.. بصيت لها وبصيت لأبوها اللي كان بيبصلي بفرعونة وكبرياء. قلت لها بصوت ميت: “أنا فعلاً السبب.. السبب إني فضلت الفلوس والعز عليكي وعلى أمي. والنهاردة، العز ده تحت جزمتي.. أنتِ طالق يا سارة. طالق بالثلاثة.” حمايا زعق: “أنت بتطلق بنتي؟
! أنت نسيّت نفسك ولا نسيت مين اللي عملك؟! أنا ههد شركتك وهفلسك وأرجّعك شحات زي ما أخدتك!” تبسمت بكسرة ومرارة وقلت له: “هدها يا بيه.. خد كل حاجة.. الشحاذة أنظف مليون مرة من العيشة في الحرام والقسوة.” سيبتهم ومشيت. تنازلت عن الشركة، وعن البيت، وعن كل قرش في البنك.. خرجت بيافتي وهدومي اللي عليا بس. رحت للبيت القديم.. للخرابة اللي سيبت فيها أمي تحت المطر. فتحت الباب المكسور..
لقيت أمي قاعدة على كرسيها في زاوية الشارع الناشفة، وشها كان أصفر ومبلولة من المطر اللي نزل من السقف، وعينيها رافعة بتدعي.. وأول ما شافتني، بكت بشدة ومدت إيدها المرتعشة تحــ,,ـــــضنني. أمي مكنتش عارفة إن مالك مات.. كانت فاكرة إنه ضاع بس..نزلت على ركبي تحت رجليها.. على الأرض الغرقانة طين ومية تحت رجليها التعبانة، وبست إيدها ورجليها وأنا بصرخ وببكي لأول مرة زي العيل الصغير: “سامحيني يا أمي.
. سامحيني .. ابني مات يا امي.. أنا اللي .ت ابني بجهلي وضعفي.. سامحيني يا أمي!”أمي مسكت راسي بإيدها اللي بترعش، وحطت راسي في حــ,,ـــــضنها.. وكانت بتطبطب عليا وبتبكي معايا، ورغم إنها مش قادرة تتكلم، صوت أنينها كان بيقول: “مسامحاك يا بني.. مسامحاك.”من اليوم ده.. مرت سنين. أنا سبت المدينة، وأخدت أمي وعشنا في بيت صغير بسيط في قرية بعيدة. بشتغل أي شغلانة بسيطة تجيب لقمتنا بالحلال.. أبيع خضار، أشتغل فاعل.
. المهم إني أرجع كل يوم بقرش حلال أطعم بيه أمي.عايش تحت رجلين أمي.. أنا اللي بغسل لها، وأنا اللي بؤكلها، وأنا اللي بشيلها أحطها في سر,,ـــــيرها. بمسح الطين من تحت جزمتها كل يوم قبل ما أسارة سمعت إنها اتجوزت غيري عشان تتخطى الصدمة وعايشة في عز أبوها، بس أنا ما بقاش يهمني حد في الدنيا غير الست العاجزةكل ليلة لما المطر ينزل، بفتكر ركضة مالك في الضلمة، وبفتكر لإثم اللي ارتكبته.
. وأعرف إن رضا أمي هو القشة الوحيدة اللي فاضلالي عشان ربنا يغفرلي يوم القيامة. خسرت ابني وخسرت دنيتي.. بس كسبت أمي، وعايش خادم تحت رجليها لحد ما أروح لابني وأنا نضيف.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.