تجمّد الضيوف في أماكنهم، بعضهم رفع يديه دون أن يُطلب منه، وبعضهم تراجع خطوة غريزيّة إلى الخلف.دوّى صوت القائد:
«أمّنوا المكان! لا أحد يتحرّك!»
ارتجفت بيا، وشحب وجهها، والتفتت حولها تبحث عن تفسير.تعالت الأصوات المرتبكة:
«ما الذي يحدث؟!»
«من هؤلاء؟!»
«هل نحن في خطر؟!»
شقّ قائد الحرس الملكي طريقه بثبات عبر الحشد، لم ينظر يمينًا ولا يسارًا، لم يلتفت إلى الوجوه المتجمّدة ولا إلى الهمسات المتكسّرة.كان يعرف وجهته جيّدًا.مباشرة نحو إلينا.لم تستوعب بيا المشهد، فحاولت التشبّث بآخر خيط من كبريائها، وابتسمت بسخرية مصطنعة، صوتها يرتجف رغم محاولتها التماسك:
«انتهى أمرها! لا بدّ أنّها ارتكبت شيئًا. لهذا جاءوا. الشرطة جاءت لتعتقلها!»
لكنّ كلماتها سقطت في الفراغ.لأنّ ما حدث بعد ذلك لم يترك مجالًا لأيّ تفسير آخر،
ولا فسحة للإنكار،
ولا مهربًا للسخرية التي طالما احتموا بها.
توقّف القائد أمام إلينا.لم يتردّد.لم ينظر حوله ليستطلع ردود الأفعال.كأنّ العالم كلّه اختصر في تلك الوقفة.ثم، وبحركة واحدة منضبطة، مدروسة، جثا على ركبته.لم تكن حركة مسرحيّة،
ولا استعراض قوّة،
بل طقسًا قديمًا لا يُؤدّى إلا أمام من يستحقّ.وفي اللحظة نفسها، جثا جميع الجنود خلفه،
ستّة رجال مدرّبين على الصرامة،
على الوقوف في وجه الخطر،
انحنوا معًا كأنّهم جسد واحد،
كأنّهم اعتراف جماعيّ بحقيقة لا يمكن الهروب منها.ساد صمت مطبق.ليس صمت دهشة عابرة،
بل صمت ثقيل،
كأنّ الهواء نفسه توقّف عن الحركة،
وكأنّ الأصوات خافت أن تُخطئ مكانها.
قال القائد، وهو ينحني احترامًا، وصوته واضح لا يرتعش:
«صاحبة السموّ الملكي،
المركبة جاهزة لإعادتكم إلى القصر.جلالة الملك، والدكم، بانتظاركم.»
في تلك اللحظة، توقّف الزمن بالنسبة لبيا.لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد ترى الوجوه من حولها.اتّسعت عيناها حدّ الألم،
جفّ حلقها،
وشعرت بأنّ الأرض تميد تحت قدميها.
انزلقت كأس النبيذ من يدها المرتعشة،
لم تحاول الإمساك بها،
تحطّمت على الأرض بصوتٍ حادّ،
كأنّه إعلان سقوطٍ نهائيّ لكلّ ما كانت تؤمن به،
لكلّ وهم التفوّق الذي عاشته سنوات.أمّا إلينا…
فكانت هادئة.بهدوءٍ تام،
لا يحمل شماتة،
ولا نشوة انتقام،
ولا رغبة في الإذلال،
نزعت مئزرها الأبيض.
لم يكن نزعه مجرّد حركة جسديّة،
بل خلعًا لمرحلة كاملة من الصبر،
لأعوام من الصمت،
لسنوات من الانحناء القسريّ أمام قسوة الآخرين.
سلّمته لإحدى الوصيفات،
فأخذته بكلتا يديها،
كما لو أنّها تتسلّم قطعة من تاريخ،
أو شاهدًا على رحلة لم تكن سهلة.
اقتربت الوصيفتان بوقار،
ووضعتا العباءة الملكيّة على كتفي إلينا.
انسدل الحرير الثقيل فوق الزيّ البسيط،
لم يلغِه،
بل احتواه،
كأنّه يعترف بما تحته قبل أن يُخفيه.
ثم رُفع التاج.تاج من الألماس الخالص،
لم يلمع لأنّه ثمين،
ولا لأنّ الضوء انعكس على أحجاره المصقولة،
بل لأنّه استقرّ على رأسٍ عرف الانتظار طويلًا،
وتعلّم معنى الصبر قبل أن يفهم معنى السلطة،
وعرف كيف يكون الإنسان إنسانًا
قبل أن يُطلَب منه أن يكون حاكمًا.
وُضع التاج بثبات،
بلا ارتجاف،
بلا تردّد،
كأنّ الرأس الذي حمله كان مهيّأً له منذ زمنٍ بعيد،
زمنٍ لم يكن فيه قصور،
ولا حرّاس،
ولا ألقاب…
بل شوارع باردة،
وأيدٍ متعبة،
وأحلام تُحمل في الصمت.في تلك اللحظة…
انطفأ كلّ شيء آخر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.