بعد عشر سنين من اليوم اللي جوزي السابق سابني فيه علشان يجري ورا واحدة أصغر منه بعشر سنين، القدر جمعنا تاني صدفة في مطعم خمس نجوم… بصلي من فوق لتحت كده بنظرة كلها استعلاء، وابتسم بسخر. ية وقال: “المكان ده مش معمول للستات الغلابة اللي زيك.” قبل ما يكمّل كلامه، جوزي الحالي ظهر ورايا وسأله سؤال واحد بس… خلا الابتسامة تختفي من على وشه في لحظة.
بعد عشر سنين من طلاقي، عمري ما توقعت إني هشوف كريم عبد السلام تاني. آخر مرة شفت وشه فيها، كان واقف على باب الشقة اللي بنيناها سوا في منطقة شعبية في القاهرة، شايل شنطة في إيده، ومفاتيحه في الإيد التانية، كأنه مستعجل يهرب. وقتها كنت عندي 38 سنة، مهدودة من سنين وأنا بحاول أوفّر في كل جنيه، وبربي بنتنا، وبعمل نفسي مش شايفة البُعد اللي كبر بينا. ما حاولش حتى يخفف كلامه.
قال إنه “ضيّع سنين من عمره”، وإنه عايز يعيش، عايز حب وحماس، وواحدة تحسسه إنه لسه صغير. والواحدة دي كانت ڤاندا مراد… أصغر منه بعشر سنين، دايمًا شيك، وضحكتها كلها تصنّع. حكايات رومانى مكرم سابني أنا… مع الديون، وكلام الناس، وبنت صغيرة بتسألني ليه أبوها اختار واحدة تانية بدلنا. السنين اللي بعد كده ما كانتش سهلة، بس كانت حقيقية. اشتغلت شغلانتين فترة. بعت الشقة.
نقلت قعدت في شقة بسيطة في الإسكندرية بعد ما لقيت شغل ثابت كمديرة تشغيل في شركة مستلزمات طبية. اتعلمت أعيش لوحدي… من غير ما أستنى حد ينقذني. اتعلمت إني كفاية لوحدي. ومع الوقت… بقيت مش نفس الست اللي كريم سابها. بس ولا حاجة من ده كله كانت ممكن تجهزني للحظة اللي شفته فيها تاني… تحت نور النجف في مطعم فاخر في قلب القاهرة. كنت هناك علشان حفلة خيرية.
الشركة اللي بشتغل فيها كانت راعية لبرنامج طبي مهم، ووصلت بدري شوية، لابسة فستان كحلي شيك كنت مترددة أشتريه أصلاً. وأنا ببص على أماكن القعدة، سمعت صوت ورايا خلّى قلبي يقف. “ياااه… ده إنتِ منى عبد السلام.” لفّيت… ولقيته قدامي. كبر شوية، ووشه اتخن، بس لسه نفس النظرة المتعجرفة اللي شايفة نفسها أحسن من الكل. وعلى دراعه ڤاندا… لسه جميلة، لسه لافتة، ولابسة فستان أبيض يخطف العين.
كريم بصلي من فوق لتحت ببطء… وبعدين ابتسم ابتسامة كلها استهزاء. “المكان ده مش للناس الغلابة اللي زيك.” #الكاتب_رومانى_مكرم في لحظة… صوت المطعم كله اختفى. صوت الكبايات، الضحك، والمزيكا… كله سكت. حسّيت بكل سنين الوجع والكسرة بتدوس على قلبي. وفجأة… حسّيت بوجود حد ورايا. الصوت اللي قطع الصمت كان صوت “ياسين”.. جوزي. ياسين مش بس راجل ناجح، ده الشخص اللي علمني إن الست مش محتاجة حد يكملها، هي محتاجة حد يقدر قيمتها وهي كاملة.
حط إيده على كتفي بمنتهى الهدوء، وبص لكريم نظرة خلت كريم يترعش مكانه من غير ولا كلمة. ياسين سأله سؤال واحد بس، وبنبرة صوت هادية جداً: “هو حضرتك المندوب اللي باعتينه عشان يستلم شيك التبرع، ولا حد ضل طريقه هنا بالصدفة؟” الابتسامة اختفت من على وش كريم في ثانية. ملامحه اتغيرت وبقى لونه باهت. ڤاندا اللي كانت واقفة جنبه بتباهي، بدأت تبص للأرض بإحراج.
كريم حاول يجمع شتات نفسه وقال بلجلجة: “أنا.. أنا كريم عبد السلام، صاحب شركة توريدات.. إنت مين؟” ياسين ابتسم ابتسامة واثقة وقال: “أنا ياسين الألفي، صاحب المجموعة اللي منى هانم بتديرها، وزوجها. وأظن إن الدعوة اللي معاك يا أستاذ كريم كانت ‘درجة تانية’، يعني مكانك مش في القاعة الرئيسية هنا وسط الرعاة الرسميين.” الكلمة نزلت على كريم زي الصاعقة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.