قصة الشقة اللي اختارت صاحبها

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

قلت: «أو يمكن مريم.» الست بدأت تعيط. ومقالتش غير: «أنا عمري ما غيرت رقم التليفون ده عشانك.» اتفقنا نتقابل في الشقة. يومها وصلت قبلها بساعة. قعدت في أوضة الطفولة، ماسكة العروسة القديمة. لما الجرس رن، قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامعاه. عمر فتح الباب. دخلت ست في أواخر الخمسينات، شعرها فيه خصل بيضا، وماسكة شنطة صغيرة. أول ما شافتني وقفت. وأنا كمان وقفت. مكنش فيه موسيقى ولا أحضان من أول ثانية زي الأفلام.

فضلنا نبص لبعض. وبعدين عيني راحت ناحية حاجبها. كان عندها نفس العلامة الصغيرة. قالت وهي بتضحك وسط دموعها: «لسه بتسميها لوزة؟» بصيت للعروسة اللي في إيدي. وهنا عيطت. الفصل العاشر: اسمي قعدنا ساعات نتكلم. منى ورتني صور، جوابات كانت باعتاها، وصور ليا احتفظت بيها من طفولتي. حكتلي عن أول كلمة قلتها، وعن خوفي من صوت المكنسة، وعن إني كنت برفض أنام إلا والعروسة جنبي.

معلومات صغيرة جدًا، لكن مفيش حد يعرفها إلا شخص عاشها معايا. هدى اعتذرتلي. مكنتش المسامحة سهلة، ومجتش في يوم وليلة. فضلت فترة غضبانة منها، وطلبت منها متبررش اللي عملته. وفي نفس الوقت، مقدرتش أمسح 22 سنة من حياتنا. منى نفسها قالتلي: «أنا أمك اللي ولدتك، لكن هدى كمان أمك بطريقتها. غلطتها كبيرة، وأنا مش بطلب منك تنسيها. أنا بس مش عايزاكي تخسري عمرك الجاي وإنتِ بتحاولي تختاري واحدة فينا.» الشقة ماتباعتش.

أنا وعمر قررنا نعيش فيها فعلًا بعد ما جددناها. لكن فيه أوضة واحدة طلبت محدش يغير فيها حاجة. الأوضة البيضاء. غيرت الستارة القديمة ونضفت الكتب، لكن سيبت الحروف على الحيطة زي ما هي: م ر ي م وبعد شهور، وأنا بعلق لوحة صغيرة على باب الشقة، عمر سألني وهو بيضحك: «هتكتبي اسم مين؟

دينا ولا مريم؟» بصيت للوحة، وفكرت شوية. وبعدين كتبت: «بيت دينا مريم وعمر». لأن دينا هي البنت اللي عاشت 22 سنة وكبرت واتعلمت وحبت واتجوزت. ومريم هي الطفلة اللي فضلت أوضتها مستنياها كل السنين دي. أما مدام نوال، فكل ما تزورنا تقعد في الصالة وتقول نفس الجملة وهي مبتسمة: «مش قلتلكم من الأول؟

الشقة هي اللي اختارت أصحابها.» وأنا المرة دي مبضحكش على كلامها. لأني عرفت إن بعض البيوت مش بنشتريها عشان نبدأ فيها حياة جديدة… بعض البيوت بنرجعلها عشان نلاقي الجزء القديم من حياتنا اللي كان مستنينا جواها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق