في اليوم اللي ماتت فيه جدتي

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

وبعدها رجعت المدرسة اللي كانوا عايزين يحرموني منها، وذاكرت ليل ونهار لحد ما بقيت من الأوائل، والسنين عدت بسرعة، وكل سنة كنت أنجح أكتر وأكبر أكتر، بينما أبويا كان يغرق في الديون بسبب الطمع وسوء التصرف، ومراته كانت تبيع دهبها قطعة وراء قطعة، وفي يوم جه أبويا البيت عندي بعد عشر سنين كاملة، كان شعره أبيض ووشه مرهق ومكسور، أول ما شفته افتكرت اللي عمله فيا وفي جدتي، لكنه كان بيبكي فعلًا، وقعد قدامي وقال: "أنا ظلمتك يا مريم"، وسكت شوية قبل ما يكمل: "وظلمت أمّي قبل ما تموت"، ولأول مرة شفت الندم الحقيقي في عينيه، ساعتها افتكرت وصية جدتي، إنها قالت متديهوش حاجة إلا لو تاب بجد، وبعد كلام طويل عرفت إن مراته سابته بعد ما خلصت فلوسه وإنه عايش لوحده ومريض، وكان ممكن أطرده وأنتقم منه، لكن جدتي عمرها ما ربتني على القسوة، فقررت أعالجه وأوفر له مكان يعيش فيه بكرامة من غير ما أديه سلطة على حياتي أو فلوسي، ومرت الأيام واتغيرت حاجات كتير، واتخرجت من الجامعة وفتحت مؤسسة خيرية لمساعدة الأطفال اللي أهلهم أهملوهم أو سابوهم للفقر والوحدة، وكنت كل مرة أشوف طفل تايه أو محروم أتذكر نفسي وأنا قاعدة جنب الفرن الطين في يوم وفاة جدتي، وبعد سنوات طويلة بقيت واحدة من أنجح سيدات الأعمال في البلد،

لكن عمري ما نسيت أصل الحكاية، ولا نسيت الست العجوز اللي كانت بتقسم اللقمة بيني وبينها وهي جعانة، وفي ليلة هادئة من ليالي الشتاء دخلت أوضتها القديمة اللي احتفظت بيها زي ما هي، وقعدت على نفس الدكة الخشب اللي كانت بتقعد عليها، وطلعت السلسلة الدهب الرفيعة اللي أخدتها من رقبتها يوم وفاتها، كنت محتفظة بيها طول السنين دي كلها، مسكتها بين صوابعي وابتسمت وسط دموعي، لأنني أخيرًا فهمت إن الورث الحقيقي اللي سابتهولي جدتي مكنش الأرض ولا الذهب ولا الملايين، الورث الحقيقي كان القوة اللي علمتهالي، والصبر اللي زرعته جوايا، والكرامة اللي خلت طفلة عندها 11 سنة تقف قدام الدنيا كلها ومتتكسرش، وعرفت وقتها إن بعض الناس بيسيبوا الدنيا وهم فقراء في نظر الجميع، لكنهم في الحقيقة بيسيبوا وراءهم كنوز أكبر من أي ثروة، وستي فاطمة كانت واحدة من الناس دي، وفضل اسمها عايش في كل خير عملته، وفي كل طفل ساعدته، وفي كل نجاح وصلت له، لحد ما بقت حكايتها أسطورة صغيرة في القرية كلها، حكاية العجوز الفقيرة اللي ماتت وسابت لحفيدتها كنزًا غيّر حياتها للأبد، لكن الكنز الحقيقي مكانش مدفون تحت الأرض.

.. كان مدفون في قلبها هي. رغم إن حياة مريم اتغيرت بالكامل، وإن اسمها بقى معروف في كل مكان، إلا إن فيه أسرار كانت لسه مستخبية في الظل مستنية اللحظة المناسبة عشان تظهر، وبدأ كل شيء في صباح يوم شتوي هادي لما كانت قاعدة في مكتبها الكبير بتراجع ملفات المؤسسة الخيرية، ولقت ظرف قديم وصلها من غير عنوان مرسل، أول ما شافت الخط على الظرف اتجمدت في مكانها، لأنه كان نفس خط جدتها فاطمة، نفس الحروف المرتعشة اللي عمرها ما قدرت تنساها، فتحت الظرف بسرعة وهي مش مصدقة، ولقت رسالة قصيرة مكتوب فيها: "لو وصلتك الرسالة دي يا مريم، يبقى فيه حاجة أنا مقدرتش أقولهالك قبل ما أموت، والوقت جه عشان تعرفي الحقيقة كاملة".

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق