قلبها بدأ يدق بعنف وهي تقلب الورقة، واكتشفت إن الرسالة كانت جزء من مجموعة رسائل قديمة كانت جدتها مخبياها عند شخص أمين طول السنين دي كلها، والشخص ده قرر يسلمها الأمانة بعد ما شاف إنها كبرت وبقت قادرة تتحمل الحقيقة. في الرسالة كانت الجدة بتحكي عن أيام شبابها، وعن سر كبير محدش في العيلة كان يعرفه، سر يتعلق بجَدّ مريم نفسه، الراجل اللي كانوا كلهم فاكرينه مجرد فلاح بسيط عاش ومات في هدوء، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، فقد اكتشفت مريم من الرسائل إن جدها كان شريكًا في مشروع ضخم قبل عشرات السنين، وإن فيه ناس نافذين استغلوا جهله بالقانون وسرقوا حقوقه، وإن الأرض اللي رجعت ليها لم تكن سوى جزء صغير جدًا من أملاك أكبر ضاعت مع الزمن.
فضلت مريم تقرأ الرسائل ليلة كاملة، وكل رسالة كانت تفتح بابًا جديدًا من الأسرار، لحد ما وصلت لرسالة أخيرة فيها خريطة مرسومة بإيد جدتها، وإشارة لمخزن قديم مهجور على أطراف القرية. في البداية ظنت أن الموضوع مجرد ذكريات من الماضي، لكنها قررت تروح وتشوف بنفسها. وفي صباح اليوم التالي، سافرت للقرية اللي بدأت منها الحكاية كلها، وهناك قابلت أسماء من جديد، اللي كانت لسه محتفظة بنفس الوفاء اللي عرفتها بيه وهي بنت صغيرة.
لما شافت أسماء الخريطة، اتغير لون وشها وقالت إنها تعرف المكان، لكنه مقفول من سنين طويلة والناس بتقول إنه مسكون وإن محدش بيقرب منه. ضحكت مريم من الكلام، لكنها كانت حاسة إن وراء الحكاية حاجة أكبر. وفي نفس اليوم راحوا سوا للمخزن القديم، وبعد ساعات من البحث بين الحوائط المتهالكة والأخشاب المتكسرة، اكتشفوا غرفة سرية صغيرة خلف جدار مزدوج، وفيها صندوق حديدي صدئ.
احتاجوا وقت طويل عشان يفتحوه، لكن الصدمة كانت كبيرة لما لقوا جواه دفاتر حسابات قديمة ومستندات أصلية تثبت وجود أملاك وأموال اختفت من العائلة منذ أكثر من خمسين سنة. والأهم من ده كله، لقوا دفتر مذكرات كتبه الجد بنفسه، وكان بيوصف فيه بالتفصيل إزاي اتعرض للخيانة من أشخاص وثق فيهم أكتر من نفسه. لكن مريم، بعد ما بقت ناضجة وخبيرة في الحياة، مكنش همها الفلوس بقدر ما كان همها تعرف الحقيقة كاملة.
بدأت رحلة طويلة استمرت شهور تجمع فيها الأدلة وتراجع الأوراق وتقابل ناس كبار في السن عاشوا الأحداث بنفسهم، وكل يوم كانت تكتشف إن جدتها كانت أذكى مما تخيلت، لأنها حافظت على الخيوط المهمة كلها لحد ما توصل ليها في الوقت المناسب. وخلال الرحلة دي، حصل شيء مكنتش متوقعاه، فقد بدأت مشاعر قديمة تتغير بينها وبين أسماء. البنت اللي وقفت جنبها وهي يتيمة وفقيرة، واللي فضلت مخلصة ليها رغم السنين، بقت أقرب إنسانة لقلبها.
كانت أول واحدة تكلمها لما تفرح، وأول واحدة تلجأ ليها لما تتعب أو تحتار. ومع الوقت فهمت مريم إن بعض الناس بيبقوا هدية من ربنا، بيظهروا في أصعب لحظات العمر ويكملوا الرحلة معاك للنهاية. وفي الوقت اللي كانت فيه بتكتشف أسرار الماضي، كانت المؤسسة الخيرية بتكبر بشكل غير مسبوق، وبدأت تفتح فروع جديدة في محافظات مختلفة، وتبني مدارس ومراكز تدريب ومستشفيات صغيرة للمحتاجين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.