وعرفت إنها ماتت فقيرة ووحيدة، بعد ما خسرَت كل الناس اللي كانت بتستغلهم أو تتكبر عليهم. وقتها حست مريم بحزن غريب، مش شماتة، بل حزن على إن الطمع ممكن يوصل الإنسان للنهاية دي. أما أبوها، فكان قد تغير فعلًا مع مرور السنين. صار يقضي أغلب وقته في المسجد أو في أعمال الخير، وكأنه يحاول يصلح ما أفسده في الماضي.
ورغم إن الجروح القديمة عمرها ما اختفت بالكامل، إلا إن مريم تعلمت إن التسامح أحيانًا بيكون راحة لصاحبه أكتر ما هو هدية للطرف الآخر. وبعد سنوات طويلة أخرى، وقفت مريم في حفل افتتاح أكبر مشروع خيري عملته في حياتها، مدينة كاملة لرعاية الأيتام والتعليم المجاني والتدريب المهني. كانت واقفة على المسرح والناس كلها بتصفق، لكن عينيها راحت تلقائيًا لصورة كبيرة معلقة على الحائط.
صورة جدتها فاطمة. نفس الابتسامة البسيطة، ونفس الملامح الطيبة اللي كانت تطمنها وهي طفلة. وقتها دموعها نزلت من غير ما تقدر تمنعها، وقالت في كلمتها أمام الجميع: "الناس فاكرة إن النجاح بدأ يوم لقيت الفلوس أو الأرض، لكن الحقيقة إن النجاح بدأ يوم ست فقيرة علمت طفلة صغيرة إنها متستسلمش مهما الدنيا قست عليها".
سكتت القاعة كلها وهي بتكمل كلامها، وأضافت: "أنا مدينة بكل حاجة حصلت في حياتي لست كانت بتقسم آخر لقمة عيش بيني وبينها، وكانت مؤمنة بيا أكتر من إيماني بنفسي". وبعد انتهاء الحفل، خرجت لوحدها في المساء ومشت وسط الأشجار اللي زرعتها المؤسسة الجديدة، وكانت السماء صافية والهواء بارد، وفجأة افتكرت كل شيء... الفرن الطين، البيت الصغير، البطاطا الساخنة، الجواب المختوم بالشمع الأحمر، والسلسلة الدهب اللي غيرت مجرى حياتها.
ابتسمت وهي تبص للنجوم وقالت بهمس كأنها بتكلم جدتها: "اطمني يا ستي... أنا بخير، ووعدك لسه بكمّله لحد النهاردة". وفي اللحظة دي شعرت براحة عمرها ما حسّت بيها قبل كده، لأنها أدركت أن الرحلة اللي بدأت بالخوف والوحدة والفقد انتهت بالأمل والنجاح والمحبة، وأن أعظم انتقام من الظلم لم يكن الانتقام نفسه، بل النجاح الذي جعلها أقوى من كل من حاولوا كسرها، وأكبر من كل الأحقاد التي واجهتها في الطريق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.