جوزى على كرسى متحرك

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

بعد خمس سنين من الحمى، والشيل والحط، والرعاية ليل نهار.. سمعت جوزي المشلول وهو بيضحك مع راجل تاني وبيقول: “دي خدامة ببلاش.. عبيطة ومفيدة”. في اللحظة دي، الست الطيبة المطيعة اختفت، وحل مكانها حاجة تانية خالص.. أبرد، أهدى، وأخطر بكتير. خمس سنين ميبانوش كتير، إلا لو عشتهم يوم بيوم. خمس سنين يعني 60 شهر، 1825 يوم بمسح فيهم كياني وشخصيتي بالراحة.

ضيعت أحلى سنين العشرين من غير ما احتفل بنجاح، ولا أبني حلم، ولا أشوف العالم.. قضيتهم بتعلم إزاي “أختفي”. خمس سنين بصحى قبل الفجر عشان أسلق الشوربة، وأطحن الدواء، وأتعلم إزاي أشيله بزوايا معينة عشان جسمه اللي مبيتحركش ميتجرحش. خمس سنين جلسات علاج طبيعي، ليالي من غير نوم، وقوائم دواء مبيخلصش، وابتسامات فاضية لراجل كان ممكن يبحلق فيا من غير ما يحس أصلاً بوجودي.

لما كنت لسه ساذجة وفاكرة إن ده هو “الحب”، كنت بصدق إن التضحيــ .ــة هي الإخلاص.. إن الوجع هو ضريبة العشرة. “في السراء والضراء”، كنت بكررها زي الصلاة كل ما ظهري يوجعني أو ريحة المطهرات تلزق فيا لدرجة إني نسيت ريحة البرفان إيه. دــ,,ـــــادثة “ياسر” حصلت في طريق مقطوع. سواق سكران.. حديد اتعجن.. وحياة انقسمت نصين. هو عاش، بس رجليه لأ. وأنا، “مريم”، فضلت جنبه.

قلبت بيتنا أوضة مستشفى. اتعلمت أتعامل مع الكراسي المتحركة، والقساطر، وإجراءات الطوارئ. اتعلمت أهدى وهو بيثور، أو ينعزل، أو يقفل على نفسه بالأيام. لحد ما جه يوم الثلاثاء.. اليوم اللي غير كل حاجة كنت عارفاها عن نفسي. كنت شايلة كيس ورق فيه “عيش سخن”، النوع اللي بيحبه. طازة وطالع من الفرن. صحيت قبل الفجر عشان أعدي على المخبز قبل ما أروح له مركز التأهيل، كنت عاوزة أفاجئه بحاجة تفرحه.

كنت ماشية في الممرات وأنا عندي الأمل الساذج إياه، لحد ما سمعت صوته. كان في التراس اللي المرضى بيشمسوا فيه. وقفت ورا عمود خـ.. ـرسانة، مش عشان أتسمت، بس عشان أعدل شعري.. كنت عاوزة أبقى حلوة في عين جوزي. “دي تقريباً عمالة مجانية”، ياسر قالها وهو بيضحك. صوته كان قوي، واضح، ومبسوط. “مبدفعش لها مليم، مبتشتكيش، ولسه صغيرة كفاية إنها تشيلني وتهبدني طول اليوم”. الراجل اللي كان معاه ضحك.

ياسر كمل، وكل كلمة كانت بتدبـ . حني أكتر: “أنا وضحت ده من الأول.. بتأكلني، وتنظفني، وتعافر مع التأمين، وتحميني. دي مش زوجة، دي خد. مة فندقية كاملة وببلاش. لما أمــ,,ـــــوت، ابني وأختي هما اللي هياخدوا كل حاجة.. دول د. مي. أما هي.. فدي مجرد واحدة موجودة وخلاص”. رجلي نشفت مكانها. ضغطت على العمود الخـ.

. ـرسانة الساقع، ومسكت كيس العيش كأني غرقانة وبتعلق في قشة. من ثواني، الكيس ده كان معناه حب.. دلوقتي بقى معناه “ذل”. ببلاش. مفيدة. مطيعة. ده وصف جوزي ليا. مد. معتش. الد. موع منشفتش، هي أصلاً منزلتش. برود غريب سكن جوايا. افتكرت ابنه اللي عنده ١٠ سنوات ، اللي بيتعامل مع بيتنا كأنه لوكاندة؛ عمره ما قدرني، ولا ساعدني. “أصل نفسيته تعبانة”، ياسر كان دايماً بيقول كدة.. وأنا كنت بكمل غسيل المواعين. ياسر ضحك تاني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق