بالليل، لما الإسعاف رجعته البيت، كنت أنا خلاص في السرير. “كنتي فين؟”، نطقها بحدة. “جبتي العيش؟”. بصيت له —بصيت له بجد— مشفتش راجل عاجز، شفت “طاغية” محبوس في كرسي. “نسيت”، قولت كدة. وأنا بعدل له المخدات، قطعت وعد على نفسي. مش هصرخ.. مش هجادل.. أنا ببساطة هختفي. بس قبل ما أمشي، هعرفه “الخدامة اللي ببلاش” دي تمنها غالي قد إيه.
ثاني يوم الصبح، مريم صحيت، بس المرة دي مصحيتش قبل الفجر عشان تسلق الشوربة ولا تجهز الفطور. صحيت الساعة 10 الصبح على صوت “ياسر” وهو بيصرخ من أوضته: “مريم! يا مريم! أنا جعان.. وميعاد الدوا فات عليه ساعتين! إنتي فين؟” دخلت عليه الأوضة ببرود، كانت لابسة طقم شيك، وحاطة روج أحمر، وريحة برفانها مالية المكان.. ريحة نسيتها من سنين. قعدت على الكرسي قدامه ومسكت الموبايل وهي بتقلب فيه ولا كأنه موجود.
ياسر بصلها بذهول: “إيه اللي إنتي لابساه ده؟ وفين الفطار؟ وأنا ليه لسه مغيرتش هدوم النوم؟” مريم بصت له بابتسامة باهتة وقالت: “أصل “الخدامة اللي ببلاش” استقالت يا ياسر.. والشركة اللي بتقد. م “الخد. مة الكاملة” قفلت.” ياسر وشه اتخطف: “إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي؟” مريم قامت ووقفت قدام الشباك وقالت بصوت هادي ومرعب: “أنا سمعتك يا ياسر.. سمعتك وإنت بتقول لصحابك إني “تمنها قليل ومفيدة”.. سمعت إن ابنتك وأختك هما “الد.
م” وأنا مجرد “واحدة موجودة وخلاص”. ومن اللحظة دي، أنا هبقى “موجودة” فعلاً، بس بـ “تمن”.” طلعت ورقة من شنطتها وحطتها قدامه: “ده كشف حساب.. سعر الساعة للتمريض المنزلي، وسعر الوجبات الصحية، وتمن غسيل الهدوم، وتمن المشاوير وتخليص أوراق التأمين. المجموع في الشهر هيعدي الـ 30 ألف جنيه.. ده لو عاوزني “ألمسك” أو أساعدك تتحرك من مكانك.” ياسر بدأ يزعق وصوته يعلى: “إنتي بتبتزيني؟ أنا جوزك! دي فلوسي وفلوس ابني!
” مريم قربت منه وهمست في ودنه: “جوزي؟ لا يا حبيبي.. الجواز مودة ورحمة، وإنت معندكش لا دي ولا دي. إنت قولت إني “خد. مة كاملة”، وأنا مبيفرقش معايا أخد. م مين، المهم “المقابل”. لو مش عاجبك، كلم “د. مك”.. كلم أختك تيجي تشيلك وتغير لك القسطرة، أو كلم ابنك اللي بيتعامل مع البيت كأنه فندق يجي يطبخ لك ويأكلك.
” ياسر مسك التليفون وهو بيترعش وكلم أخته وهو بيصوت: “تعالي يا سعاد الحقيني! مريم اتجننت وعاوزة تاخد فلوسي!” سعاد جت ومعاها ابن ياسر، وهما داخلين بـ “صدر مفتوح” عشان يبهدلوا مريم. مريم استقبلتهم ببرود وهي ماسكة كوباية قهوة: “أهلاً بالد. م.. ياسر محتاج حمام، ومحتاج يغير هدومه، ومحتاج ميعاد جلسة العلاج الطبيعي يتحدد.. اتفضلوا وروني الهمة، أنا خارجة أعمل “شوبينج” بفلوس “مؤخري” اللي سحبته الصبح من الحساب المشترك.
” سابيتهم ودخلت أوضتها وقفلت على نفسها، وهي سامعة صوت “هرجلة” بره.. أخته مش عارفة تشيله، وابنه قرفان من ريحة الأدوية، وياسر بيصرخ من الوجع لأن مفيش حد عارف “الزوايا” الصح اللي مريم قضت 5 سنين تدرسها عشان ميتألمش. مريم كانت قاعدة في أوضتها، سامعة “خناقة” بره مش مجرد مناقشة. أخته سعاد صوتها بدأ يعلى: “يا ياسر أنا ضهري اتكسر! إنت تقيل أوي، وابنك ده مبيعملش حاجة غير إنه ماسك الموباييل وقرفان يلمس الكرسي!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.