دخلت لتفصل موظفًا… فخرجت وهي تكتشف سرًا قلب حياتها رأسًا على عقب

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال


كان صدره يعلو ويهبط ببطء لا من التعب بل من الترقب.
تعلم كارلوس طوال سنواته أن يتوقع الأسوأ وأن لا يثق كثيرا بالانفراجات المفاجئة.
الخير حين يأتي فجأة كان يربكه أكثر مما يطمئنه.
أما لورا فكانت تمسك هاتفها بإحكام كما لو أنه طوق نجاة في بحر هائج.


صوتها ذلك الصوت الذي لم يعرف التردد يوما كان هذه المرة حاسما بطريقة مختلفة.
لم يكن صوت الأوامر الباردة المعتادة ولا صوت من اعتاد أن يملى عليه الواقع فينصاع.
كان صوت شخص أدرك أخيرا أن الزمن ليس في صفه وأن التأجيل نوع آخر من الخسارة.


أفضل الأطباء.
أسرع الإجراءات.
لا قوائم انتظار.
لا حسابات.
لا نقاش.
كانت الكلمات تخرج منها قصيرة واضحة لا تحتمل التأويل وكأنها تحاول أن تعوض بها كل السنوات التي صمتت فيها عن أشياء كان يجب أن تقال.
مرت الأيام الأولى ثقيلة بطيئة ممتدة على نحو غير مألوف.


رائحة المستشفى خليط المطهرات والمعادن والهواء المعقم علقت في أنفاسها كما لو أنها تذكير دائم بمكان لا يشبه عالمها السابق.
صفير الأجهزة ذلك الصوت المنتظم الذي لا يرحم كان يفرض إيقاعه الخاص على الوقت يقيس الحياة بنبضات وآهات.
أما الأضواء البيضاء التي لا تعرف الليل من النهار فقد سلبتها الإحساس بالزمن وأعادتها إلى ذكريات حاولت طمسها منذ سنوات ذكريات أسرة باردة ووجوه شاحبة ووداعات لم تنجز كما ينبغي.


كانت تجلس قرب السرير لساعات طويلة أحيانا دون أن تتحرك تراقب صدر دييغو وهو يرتفع وينخفض.


تعلمت أن تميز أنفاسه أن تعرف متى يكون نومه هادئا ومتى يكون جسده في صراع صامت.
وفعلت شيئا لم تعتد
فعله أبدا
انتظرت.
الانتظار بالنسبة للورا ميندوزا لم يكن فعلا مألوفا.
كانت حياتها كلها مبنية على المبادرة على السيطرة على الوصول قبل الآخرين بخطوة.


لكن هنا أمام سرير طفل لم يكن لها سوى أن تنتظر وتراقب وتدرك حدود قوتها.
مرت الأسابيع ومعها تغير شيء جوهري لا يقاس بالتحاليل الطبية ولا بتقارير الأطباء وحدها.
تغير شيء في داخلها.
لم تعد مكاتب لورا ميندوزا كما كانت.


الجدران الزجاجية التي طالما عكست صورة القوة والبرود لم تعد باردة كما في السابق.
صار الضوء الداخل إليها أقل حدة أو هكذا بدا لها.
صار الصمت في الاجتماعات أطول وأثقل وكأنه يفسح مجالا لشيء لم يكن مسموحا له بالظهور من قبل.
صار هناك بطء مقصود في
الاجتماعات.
توقفات قصيرة تمنح للكلمات قبل أن تقاطع.
نظرات تمنح وقتا أطول مما ينبغي وكأن الوجوه عادت فجأة لتستعيد أهميتها بعد أن كانت مجرد خلفية للأرقام.


القرارات لم تعد تتخذ بلا وجوه.
لم تعد الجداول وحدها تتكلم.
صار للسياق وزن وللإنسان مكان.
كارلوس لم يعد ينظف الأرضيات ولم يعد يمر بصمت بين المكاتب حاملا أدواته ونظراته المنخفضة.
صار له مكتب بسيط لكنه حقيقي ومسؤولية تثقل كتفيه لكنها تمنحه معنى واسم ينادى به باحترام لا همسا ولا تهميشا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
AH

Adel Hamzawy ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

حكايتي مع حماتي روايات

حكايتي مع حماتي

وأنا برمي الزبـ,ـالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالبا…

Adel Hamzawy 0.0 6 دقائق