. روائح السمنة والدهون كانت بتملى الممر وتدخل في كل شبر في الشقة. أنا أصلاً كنت بتوحم، والروائح دي كانت بتدخل في نفوخي وتصحيني من النوم هلكانة، أجرى على الحمام أرجع كل اللي في بطني لحد ما يغمى عليا. أما الكارثة الأكبر فكانت العزل بتاع الصوت في الشقة؛ الواد الصغير كان بيصحى في الليلة أربع أو خمس مرات، وصريخه الحاد كان بيخرم الحيطة.
ليلة ورا ليلة اتحرمت من النوم، وجالي صداع نصفي مابيفارقنيش، ومع ذلك كنت بضطر الصبح بدري أنزل وأتبهدل في زحمة المواصلات عشان أروح الشغل. في ليلة من الليالي، كانت الساعة عدت واحدة بعد نص الليل، والواد فضل يصرخ صراخ متواصل لأكتر من 40 دقيقة ومحدش عارف يسكته. مابقتش قادرة أستحمل، فخرجت وخبطت على باب أوضتي الرئيسية. ياسمين، أرجوكي حاولي تهدي الصغير شوية، أنا عندي الصبح بريزنتيشن ومناقشة مشروع مهمة جداً في الشركة.
الباب اتفتح، وطلعتلي حماتي بوش مقلوب الواد جعان وعايز يرضع، هنكتم نفسه يعني عشان الست هانم تنام؟! أنتي إيه يا شيخة معندكيش دم؟! إيه الأنانية وقلة الذوق دي؟! وقفت مكاني مش قادرة أنطق، ودموعي نزلت من كتر القهر، ورجعت أوضتي الصغيرة. وعلى السرير، طارق كان نايم ومديني ضهره، وصوت نفسه العالي بيقول إنه في سابع نومة، ولا فارق معاه أي حاجة بره.
بسبب قلة النوم والوحم اللي حرمني من الأكل، خسيت 11 كيلو دفعة واحدة، وبقى جسمي شبه الهيكل العظمي. وفي يوم وأنا قاعدة في المكتب بشتغل على اللوحات الهندسية، حسيت بزغللة في عيني والدنيا لفت بيا وأظلمت تماماً ووقعت من طول الصالة. لما فقت، لقيت نفسي في المستشفى ومتركبلي محاليل. الدكتور كان ماسك تقرير التحاليل ووشه متبهدل أسف أنتي عندك إجهاد حاد فوق طاقة البشر، ومعاكي أنيميا حادة ونقص شديد في الدم، وده دخلنا في حالة إجهاض منذر.
لازم تتحجزي فوراً تحت الملاحظة. مسكت التليفون بإيد بترتعش وكلمت طارق، رد عليا بكلمتين أنا في اجتماع مهم للمشروع، هخلص وأجيلك متأخر. كلمت حماتي، رفضت تيجي وقالت ياسمين بترضع ومقدرش أسيب البيت لوحدها من غير ما أساعدها. في النهاية، اللي سابت شغلها وجت جري عشان تخلصلي ورق الدخول وتدفع الفلوس وتلف بيا على التحاليل، كانت فرح، صاحبة عمري من أيام الكلية. يا نادية، إيه الجحيم اللي أنتي عايشة فيه ده؟
! فرح بصت للمحلول اللي في إيدي الهزيلة وعينها اتملت دموع حزناً عليا. كنت نمت والدموع نازلة على خدي في صمت ومفيش طاقة للكلام. طارق ماشرفش في المستشفى غير الساعة 9 بالليل، وكان جايب في إيده كيس فاكهة بسيط. قعد على طرف السرير وقال عاملة إيه دلوقتي؟ الموضوع خطير؟ رديت بنبرة ميتة الجنين في خطر، وبجهض. سكت شوية وقال طب ارتاحي هنا لحد ما تبقي كويسة، وأنا هكلم مديرك أطلبلك إجازة كام يوم.
وفين ماما وياسمين؟ الواد صغير وبيخافوا عليه من الهوا والتعب، وماما وأختي مقدروش يسيبوه ويخرجوا. بصيت لسقف المستشفى الأبيض، ومطقتش بكلمة تانية. قلبي اتجمد تماماً في اللحظة دي. والجنين المسكين ده مكنش ليه نصيب يعيش، وسقطت في الآخر. في ليلتي التاسعة في المستشفى، جالي وجع شديد وفجائي، ودخلوني عمليات تنظيف، وعقلي كان فاضي تماماً من أي مشاعر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.