بعد ما مشيوا، المحل فضل هادي زيادة عن اللزوم، بس الدوشة اللي في عقلي كانت مش راضية تسكت. قعدت على الكرسي وبصيت لمكانها وهي واقفة بتعيط، ولمكانه هو وهو بيمثل الحب والاحتياج. الحكاية مكنتش مجرد بيعة وشرية ذهب، دي كانت “حياة” بتتهد قدامي وأنا كنت شاهد على فصولها. فات يوم والتاني، وصورة الست دي وهي مكسورة الخاطر مش عايزة تفارق خيالي.
بقيت أسرح وأنا بوزن الذهب للزبائن، وأتخيلها وهي في المستشفى، حاسة إنها “قليلة” زي ما أخوها قال. الكلمة دي كانت بتوجعني أنا شخصياً.. إزاي واحدة بالرقي والنبل ده تشك في نفسها عشان واحد ميسواش؟ لقيت نفسي مش قادر أستنى، وقلبي واكلني عليها. ناديت على الصبي اللي شغال معايا وقلتله: “خلي بالك من المحل يا حسن، أنا ورايا مشوار مهم.
” رحت اشتريت بوكيه ورد رقيق، وحاجة بسيطة تليق بمقام أهلها، وسألت وعرفت المستشفى اللي هي فيها. طول الطريق كنت بسأل نفسي: “أنا رايح بصفتي إيه؟” وصلت المستشفى وفضلت واقف في الممر بعيد، مراقب الأوضة من غير ما حد يحس بيا. استنيت لحد ما أهلها خرجوا واحد ورا التاني عشان يريحوا أو يجيبوا طلبات، وأول ما الممر هدي تماماً، خبطت ودخلت بهدوء.
كانت ساندة ظهرها على السرير وباصة للشباك بشرود يوجع القلب، وأول ما شافتني اتنفضت واستغربت جداً، ملامحها الجميلة كانت باهتة بس لسه فيها سحر خاص. حاولت تعدل طرحتها وهي بتسأل بصوت واطي ومستغرب: “حضرتك.. صاحب محل الذهب؟ هو في حاجة حصلت؟ الأسورة فيها مشكلة؟” قربت خطوتين، وبصيت لها بنظرة فيها تقدير كبير وقلت بصوت هادي وواثق:
“الأسورة مفيش فيها أي مشكلة، والحمد لله إنها رجعت لأصحابها وليكي.. أنا اللي كان عندي مشكلة، مكنتش هعرف أرتاح ولا يجيلي نوم قبل ما أجي وأقولك كلمتين كان لازم تسمعيهم.” سكتت وبصت لي بذهول، فكملت وأنا عيني في عينيها: “أنا بقالي سنين في السوق ده، وشفت ستات كتير بيشتروا ويبيعوا، بس عمري ما شفت حد في رُقيك ولا في نبل أخلاقك.
اليوم اللي جيتي فيه المحل، أنا مشفتش مجرد زبونة، أنا شفت إنسانة نادرة، ست بـ 100 راجل بتضحي بأغلى ما عندها عشان خاطر اللي فاكراه أصلها.” عينيها بدأت تلمع بالدموع، فقلت بنبرة فيها إعجاب واضح: “أوعي في يوم تصدقي إنك ‘قليلة’ أو إن العيب فيكي زي ما بيقولوا. بالعكس، أنتي جوهرة حقيقية، واللي زيك يتشال فوق الراس ويتحافظ عليه في العيون.
هو اللي خسر، وخسر حاجة ميتعوضش بكنوز الدنيا كلها. أنا جيت بس عشان أقولك ارفعي راسك، أنتي ست تملى العين، والدنيا لسه فيها رجالة ولاد أصول بيعرفوا قيمة الذهب الحقيقي لما يشوفوه.” سكتت تماماً، وشفت ابتسامة خفيفة ومرتعشة بدأت ترسم على وشها، وكأن كلامي كان هو الطوق اللي أنقذها من الغرق في شكوكها. سبت الورد على التربيزة وانسحبت بهدوء، وأنا جوايا إحساس غريب بيقول إن دي مش آخر مرة هشوفها فيها.
خرجت من أوضتها وقلبي بيدق بطريقة غريبة، إحساس المرة دي كان مختلف عن أي بيعة أو شروة ذهب دخلت محلي. وقفت في الطرقة ثواني، وعيني لمحت الممرضة اللي كانت مسؤولة عن حالتها، رحت لها بخطوات هادية وقلت لها بلهجة فيها اهتمام مغلّف بذوق: “يا آنسة، كنت عايز أطمن بس على حالة المدام اللي في أوضة (٢٠٤)، أنا قريب العيلة ويهمني أتابع تطور حالتها، ممكن لو سمحتي رقمك عشان لو احتاجنا نسأل عن ميعاد خروجها أو أي أدوية ناقصة؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.