” الممرضة وافقت وخدت رقمها، وبالفعل تاني يوم كلمتها، وعرفت منها الخبر اللي ريح قلبي: “الحمد لله، المدام خرجت النهاردة الصبح، وحالتها النفسية اتحسنت كتير، وكأن في حمل انزاح من على قلبها.” فاتت الأيام، ورجعت لشغلي في المحل، بس هي فضلت ساكنة في خيالي. بقيت بتابع أخبارها من بعيد لبعيد، ومن خلال علاقتي القوية بوالدها “الحاج إسماعيل”، بدأت خيوط الحكاية تتجمع قدامي.
عرفت إنها مخدتش وقت طويل؛ طلبت الطلاق وأصرت عليه بكل قوتها، والكل وقف في ظهرها بعد ما “قليل الأصل” ده انكشف تماماً قدام الكل. عرفت كمان إنها رجعت تعيش في بيت أبوها، البيت اللي كان دايماً مفتوح ليها وباسمها. وعرفت المعلومة اللي خلت قلبي يرفرف من تاني؛ إن عندها بنت صغيرة، نسخة مصغرة منها، عايشين سوا في هدوء بعيد عن قهر السنين اللي فاتت.
كنت بقعد في محلي، أبص للكرسي اللي كانت قاعدة عليه، وأبتسم وأنا بقول لنفسي: “الذهب الأصلي مهما انطفا بريقه تحت التراب، بيرجع يلمع تاني أول ما يلمس إيد بتعرف قيمته.” وفضلت مستني اللحظة اللي القدر يجمعنا فيها من تاني، بس المرة دي وأنا اللي هقدم لها الذهب، مش هي اللي بتبيعه. بدأت الخيوط تتشابك من تاني، بس المرة دي السكة كانت مرسومة بهدوء وعلى نار هادية.
بقيت عارف مواعيدها، الأماكن اللي بتروحها مع بنتها، والنادي اللي بتقعد فيه ساعة العصاري. بقيت أتعمد أظهر في طريقها، مش كواحد بيطاردها، لا.. كواحد “الصدفة” دايماً بتجمعه بيها. كنت بقف بعيد، ساند على عربيتي أو قاعد في طرابيزة في ركن بعيد في النادي، وعيني مش بتفارقها. النظرات بينا بدأت تحكي اللي اللسان عاجز عنه: المرة الأولى: شافتني وهي خارجة من الحضانة مع بنتها، اتفاجئت ووقفت مكانها ثواني، بصت لي بنظرة فيها تساؤل “أنت هنا بجد؟
”، وأنا اكتفيت بابتسامة هادية وهزة راس بسيطة كأني بسلم عليها من بعيد. المرة الثانية: كانت قاعدة في حديقة النادي، وبنتها بتلعب قدامها، ولمحتني وأنا داخل. المرة دي مهربتش بعينيها، فضلت باصة لي لثواني طويلة، وكأنها بتراجع ملامح الراجل اللي وقف جنبها في أضعف لحظاتها. شفت في عينيها لمعة كانت مطفية، وبدأ الوش الشاحب يرد فيه الروح من تاني. كنت بحس إن المسافة اللي بينا، رغم إنها أمتار، لكنها مليانة كلام.
هي عارفة إني براقبها، وعارفة إني مهتم، وأنا كنت قاري في عينيها إنها مش ممانعة، بس لسه “الخضة” من اللي فات مخلياها خايفة تقرب. وفي يوم، كنت واقف بشتري حاجة من محل قريب من بيت أهلها، ولقيتها خارجة. عيونا اتلت في نظرة مباشرة وصريحة، المرة دي هي اللي بدأت وابتسمت ابتسامة خفيفة قوي، يا دوب بانت على وشها، وكأنها بتقولي: “أنا شفتك.. وعارفة إنك مستني.
” ساعتها بس عرفت إن الوقت قرب، وإن “الأمانة” اللي كانت في محلي، خلاص مبقتش مجرد أسورة ذهب، دي بقت حكاية عمر لسه بتبدأ. مرت الايام واصريت انى اعمل فرح كبير فرح يليق بينا الفرح كان ليلة من ليالي العمر، ليلة اتحكت عنها في السوق كله. هو مكنش بيعمل فرح عادي، كان كأنه بيرد لها اعتبارها قدام الدنيا كلها. اختار أكبر قاعة، وعزم التجار والقرايب وكل اللي يعرفهم، عشان الكل يشوف “الجوهرة” وهي في مكانها الصح.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.