وفي صباح يوم جمعة مبارك.. وأنا قاعدة في الصالة بقرأ كتاب، سمعنا صوت كلكسات عربيات كثيرة وراكبة بتدخل الحارة بصوت عالي وفرائحية!
جريت على البالكونة وأنا قلبي ينبض بشدة، ولقيت الحارة كلها متجمعة، وعربيات مصفحة واقفة، ونزل منها رجال بزي عسكري رسمي.. وفي النص، كان واقف صلاح! ببدلته العسكرية المزدانة بالأنواط والنياشين، ملامحه أشد وسامة وهيبة من أي وقت مضى!رفع صلاح رأسه ونظر إليّ في البالكونة، وابتسم ابتسامة هزت كياني، وشاور لي بيده أن أنزل.
.جريت على السلالم ونزلت، أول ما طلعت الشارع، صلاح تقدم خطوتين وفتح لي دراعاته قدام المنطقة كلها! جريت عليه وح. ضنته والناس كلها بتهتف وتزغرد في مشهد لن تنساه الحارة أبداً!
صلاح مسك إيدي وبص لأبويا وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع:"يا حج عبد الصمد.. أنا رجعت من مهمتي ونفذت وعدي.. والنهاردة أنا جاي أطلب إيد نوال من جديد، بس المرة دي هنعمل أكبر فرح في القاهرة كلها، عشان العالم كله يعرف من هي نوال عبد الصمد ومن هو زوجها!
"لكن.. وأثناء ما الناس بتهتف والفرحة مالية الشارع كله.. قرب واحد من الضباط المساعدين لصلاح، وسلمه جواب أصفر مغلق.. صلاح فتحه وقرأ الورقة اللي جواه، وفجأة الملامح بتاعته اتغيرت وابتسامته اختفت، وبصلي ونظر لأبويا بنظرة مليانة اندهاش وقال:"نوال.. عمك جلال طلب يقابلنا في السجــ,,ـــــن فوراً قبل صدور حكم الإعدام عليه.
. وقال إن عنده سر أخير عن طليقك حمدي وعيلته، سر هيغير كل حاجة إحنا فاكرين إننا عرفناها!"انقبــ,,ـــــضت قلوبنا جميعاً في تلك اللحظة التي اختفت فيها الابتسامة عن وجه صلاح، وكأن الأقدار ترفض أن تمنحنا استراحة كاملة دون أن تنبش في رماد الماضي.
تطلع أبويا إلى صلاح بنظرة تشوبها الذهول والحسرة، وقال بصوت متهدج:"جلال؟! تاني يا صلاح؟ هو لسه عنده قسوة وغل يفرغهم فينا وهو واقف على أعتاب المشنقة?!"صلاح وضع يده على كتف أبويا، ونظر إليّ بصرامة هادئة تمتص أي خوف، وقال بنبرة واثقة:"يا عمي عبد الصمد، المجرم لما يدرك إن رأسه خلاص تحت حبل المشنقة، ما بيبقاش فاضل عنده حاجة يخسرها.
. وساعتها بس، بيعترف بالحقيقة الكاملة عشان يريح ضميره أو ينقم من شركائه اللي غررو بيه. إحنا هنروح ونسمع منه، ومفيش أي سر في الدنيا يقدر يمسكم ولا يمس حارتنا تاني خلاص."في صباح اليوم التالي، تحركت برفقة صلاح وأبويا إلى سجــ,,ـــــن طرة شديد الحراسة.
كانت أروقة السجــ,,ـــــن الباردة تهمس بعظة الحياة وفنائها. دخلنا غرفة الزيارة المغلقة، وقجلسنا ننتظر خلف الطاولة الحديدية، حتىُ فتح الباب الثقيل ودخل عمي جلال مقيداً بالحديد، يرتدي البدلة الحمراء. كان جسده ناهلاً، ووجهه شاحباً كالأموات، وعيناه غائرتين مليئتين بالندم والخزي.
أول ما وقعت عيناه على أبويا، انهمرت دموعه بصمت، وجلس على الكرسي وهو يطأطئ رأسه في الأرض، وقال بصوت خافت ومبتور:"سامحني يا عبد الصمد.. سامحيني يا نوال يا بنتي.. أنا بعت ديني وأخويا وشرف عيلتي عشان سراب وفلوس حرام، وأدي جائي حبل المشنقة بيلف حوالين رقبتي، والفلوس ما نفعتنيش ولا شالت عني طلقة واحدة من عذاب القبــ,,ـــــر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.