عد جنازة أمي، مسكت جارتنا دراعي ووشوشتلي قبل ما تبيعي البيت، بصي جوة البير. كنت خلاص هضمض وعيني مقفولة وهأوقع تاني يوم، بس نزلت كشاف وشفقت صندوق مستخبي بقاله أكتير من ٣٠ سنة. ما نطقتش بحرف، لغيت البيعة، ولما فتحته، فهمت إن مۏت أبايا يمكن ما كانش حاډثة خالص. الجزء الأول يعني ما دام أمك ماټت خلاص، مش شايف أي لازمة أني أضيع يومين في جنازة قالها حسام وهو عينيه متسمرة قدام التلفزيون.
منى كانت لسة ماسكة التليفون في إيدها. كانت لسة واصلالها مكالمة بتعرفها إن أمها، فتحية، ماټت وهي نايمة في بيتها القديم في عزبة الشجر، قرية صغيرة هادية وسط الجبال. كان عندها تمانية وخمسين سنة، وبقالها سنة وستين سنة متجوزة حسام، بس الجملة دي وجعتها أكتر من أي خناقة مرت عليهم في جازتهم. راحت الچنازة لوحدها.
وفي الوقت اللي كان الجيران بيفضلوا يقروا القرآن ويوزعوا شاي وقهوة وقرص، فضلت منى واقفة جنب الخشبة بتفتكر الست اللي كبرتها وربتها تقريباً لوحدها. أبوها، جابر، كان ماټ من أكتير من تلاتين سنة في حاډثة، زي ما قالولها وقتها، وهو شغال في قطع الشجر. على كلامهم ساعتها، جذع شجرة وقع في اتجاه مش متوقع وهرسه. فتحية ما اتجوزتش تاني من بعده أبداً.
بعد الډفنة، قضت منى ليلتها في الأوضة اللي كبرت فيها وهي صغيرة. وهناك اتخذت قرارين هتبيد البيت، وأول ما ترجع القاهرة، هتطلب الطلاق. تاني يوم الصبح جه الأستاذ إبراهيم، سمسار على باب الله كان حد من أهل البلد دلها عليه. فرز الأرض، صور الواجهة، وما سألش عن أي تفاصيل. معايا زبون كاش ومستعد يدفع مليون وتمنمية ألف جنيه قالها برغبة واضح بس عايز يخلص القصة بسرعة.
لو ينفع خلال ٤٨ ساعة بالكتير. السرعة دي غريبة وشككتها، بس منى ما إدتش للموضوع أكبر من حجمه. البيت صحيح كان قديم ومتهالك، بس سعر الأرض ضړب في السماء من يوم ما سفلتوا الطريق الرئيسي. أول ما إبراهيم مشي، قربت منها الحجة خضرة، جارتهم الست العجوزة اللي عندها تمانين سنة وكانت أنتيم فتحية من صغرهم، وهي متكئة على عكازها. يا منى يا بنتي، إياكي توقعي على حاجة دلوقتي.
ليه يا حجة؟ العجوزة بصلت للشارع يمين وشمال قبل ما تنطق أمك حطتني تحت يمين وأمانة. قالتلي لو جه اليوم وقبلت فيه المنية وحبيتي تبيعي البيت، أقولك كلمة واحدة بس قبل ما تسلمي البيت ده، بصي جوة البير. منى افتكرت نفسها بتسمع غلط. البير ده كان مقفول وبقاله يجي خمسطاشر سنة ما حدش حط فيه جردل من ساعتها لما دخلوا المية الحكومي. في إيه هناك يا حجة؟
ما أعرفش كل حاجة يا بنتي، فتحية ما رضيتش تحكيلي التفاصيل. بس كانت بتقول إنها شالت هناك حاجة تخص أبوكي. منى حست بقشعريرة غريبة سارحة في جسمها. افتكرت ساعتها جملة أمها كانت بتكررها كل ما فتحت معاها سيرة بيع البيت البيت ده شاف بلاوي واستخبى فيه حاجات أنتِ ما تتخيليهاش. على آخر النهار، عافرت منى وقدرت تشيل الغطاء الحديد الثقيل بتاع البير. نورت الكشاف ومالت بجسمها تبص في الضلمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.