توقف الزمن. حبس روبرتو أنفاسه وتيبست عضلاته. توقع السقوط الفوري. لكن السقوط لم يحدث. تمايل بيدريتو. ارتجفت ركبتاه بعنف كأغصان في عاصفة. مال يسارا ثم يمينا. أطلق أنين جهد صغيرا قبض يديه إلى جانبيه ولم يسقط. ثانية ثانيتان ثلاث. شعر روبرتو أن الهواء يغادر رئتيه. ثم صاح الطفل فجأة بصوت واضح بابا! وأطلق ضحكة خائفة منتصرة ثم خطا خطوة. لم تكن خطوة جميلة كانت حركة متعثرة كأنها تشنج مضبوط.
ارتفع القدم اليمنى سنتيمترا واندفع ثم تبعته اليسرى. خطا بيدريتو خطوتين نحو أبيه وحده بلا مشاية بلا حزام بلا يد تسنده. تراجع روبرتو واصطدم بإطار الباب. سقطت حقيبته مرة أخرى. وضع يديه على فمه يخنق صرخة لا يعرف أهي فرح أم رعب. وعندما فقد الطفل توازنه أخيرا سقط جالسا على حفاضه المبطن. لم يبك. بل صفق منتظرا التصفيق الذي اعتاد أن يناله من إيلينا. قالت إيلينا والدمع في عينيها برافو يا بطلي!
أما روبرتو فبقي متحجرا. كأنه يرى شبحا. الحقيقة ض. ربته كقطار. ابنه لم يكن مكسورا بل كان يتعافى وهو الأب لم يكن يدري شيئا. المواجهة الأخلاقية والقفص الذهبي كان الصمت بعد تصفيق إيلينا كثيفا مشحونا. نظر روبرتو إلى ابنه يضحك على الأرض ويلعب برباط حذاء إيلينا وشعر أن عالمه يعاد ترتيبه بقسوة. لكنه بدلا من أن يهرع ليحضنه اجتاحته موجة خجل عميقة تحولت فورا إلى غضب دفاعي.
إن كان مخطئا فهذا يعني أنه حكم على ابنه بعام من الشلل غير الضروري. يعني أنه هو الشرير وهو لا يحتمل أن يكون الشرير. قال بصوت أجش كيف كيف هذا ممكن الدكتور فالاداريس قال الأشعة ردت إيلينا بحزم فالاداريس رأى صورة عظم ثابتة. أنا رأيت طفلا. هو وصف له السكون وأنا وصفت له الحياة.
اتهمها روبرتو وهو يبحث عن أي حجة تعيده محقا أنت خاطرت! لعبت بالنار. ماذا لو لم تكن العضلات جاهزة ماذا لو تضرر عموده الفقري أنت متهورة كان حظا! قالت بعينين ثابتتين لم يكن حظا كان عملا يوميا متعبا. وأنت حين كنت في مكتبك تجمع الملايين لتشتري أغلى كرسي كنت أنا هنا على الأرض أتعرق معه. سألها عن الأصوات التي تشتكي منها الجارة. فأجابت نعم كان يصرخ.
يصرخ من الإحباط لأنني أجبرته أن يجتهد. يصرخ لأننا نوقظ عضلات تركتموها تنام. وأنا أبكي معه لكنني لا أسمح له أن يتوقف. لأن هذا ما يفعله من يحب حقا يدفع حتى لو تألم. صرخ روبرتو مجروحا أنا أحبه أكثر من حياتي! كل ما أفعله لأحميه! هذا الكرسي لراحته! فصرخت إيلينا لأول مرة هذا الكرسي قفص!
وهذا البيت ضريح! أنت لا تحميه أنت تخفيه! تجمد روبرتو. ثم قالت بوحشية حقيقة لا ترحم أنت تخجل في داخلك يؤلمك أن ابنك ليس الوريث المثالي الذي حلمت به. لهذا تفضل أن تراه ساكنا نظيفا في ذلك الكرسي كتمثال خزف بدل أن تراه يقاتل على الأرض كطفل طبيعي. رفع يده غاضبا ثم أنزلها. لأنه في بقعة مظلمة من قلبه عرف أنها على حق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.