سألته وأنا حابس نفسي: واحد مين؟ قال: معرفش. شكله إيه؟ كان لابس جلابية غامقة وواقف قدام قبر ابنك. قربت منه: وعمل إيه؟ بلع ريقه وقال: كان بيحفر. سكت الجميع، أما أنا فحسيت إن الحلم اللي كان بيطاردني كل ليلة بدأ يتحول لحقيقة . لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، سمعنا صوت خبط خفيف جاي من ناحية القبر: تك تك تك.
كلنا بصينا لبعض، والخبط اتكرر: تك تك تك. أخويا قال: الصوت ده جاي منين؟ وقتها حسيت إن الدم تجمد في عروقي، لأن الصوت كان طالع من تحت القبر. فضلنا واقفين مكاننا والخبط جاي من تحت التراب: تك تك تك. واحد من الرجالة قال بصوت مرتعش: يمكن صوت حجر بيتحرك. لكن محدش صدقه، لأن الخبط كان منتظم كأن حد بيخبط بإيده. قربت من : عمر؟!
سكت الصوت، اتنفسنا كلنا الصعداء للحظة، لكن بعدها مباشرة سمعنا خبطتين أقوى: دق دق! انهرت على ركبتي وأنا بقول: ابني هنا أنا عارف إن ابني هنا! أخويا شدني بعيد وقال: اهدى يا عبد السميع، عمر قدامنا. صرخت فيه: أمال مين اللي بيخبط؟! وفجأة، الحاج حسن بص ناحية طرف القبر ووشه اتغير وقال: استنوا.. وأشار بإيده ناحية التراب اللي جنب القبر.
كان فيه أثر أقدام حديث، والأغرب إن الأثر كان رايح من القبر ناحية سور المقابر، لكن مفيش أي أثر أقدام جاي من الناحية التانية، يعني اللي عمله كان واقف عند القبر نفسه. الحاج حسن قال بصوت واطي: الشخص اللي شفته بالليل رجع. بصيت له: إنت شفته إمتى؟ قبل الفجر بيومين. وليه ما قلتليش؟ لأنه لما شافني هددني.
حسيت ببرودة في جسمي: هددك بإيه؟ قرب مني وقال: قال لي بالحرف.. وسكت لحظة ثم أكمل: لو أبو عمر عرف اللي حصل ليلة الحادثة مش هيسكت. اتجمدت.. ليلة الحادثة؟ أنا طول الفترة اللي فاتت كنت فاكر إن ابني مات في حادث عادي، عربية مسرعة وسواق فقد السيطرة والموضوع انتهى. لكن لأول مرة، بدأ الشك يدخل قلبي.
بصيت للقبر ثم بصيت للحاج حسن وقلت: إنت عايز تقول إن موت ابني مكنش حادث؟ هزّ الحاج حسن رأسه ببطء وقال: أنا مش بقول كده من دماغي يا عبد السميع، أنا بقولك إن في حاجة حصلت قبل ما عمر يموت. قربت منه وأنا مش قادر أسيطر على أعصابي: حاجة إيه؟ بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدين قال: يوم عمر ما كان لوحده.
الجملة دي خلتني أحس إن الدنيا لفت بيا: يعني إيه مش لوحده؟ قبل الحادثة بساعات، أنا شفته واقف عند أول البلد مع شاب غريب، كانوا بيتكلموا بعصبية. شاب مين؟ معرفوش، بس عمر كان باين عليه الخوف. صرخت: وليه ما قلتليش الكلام ده وقتها؟! لأن بعد الحادثة، لما سألت عن الشاب، محدش عرفه.
وبعد دفنة عمر، ظهر نفس الشاب هنا عند . نظرت إلى أخي، ثم إلى القبر، ثم عدت للحاج حسن: إنت متأكد إن ده حصل؟ قبل ما يرد، سمعنا صوت سيارة بتقف عند مدخل المقابر، كلنا التفتنا. نزل منها رجل في منتصف الثلاثينات، وقف بعيدًا، ولما شافنا عند عمر اتجمد مكانه. الحاج حسن بص له وشه اصفر فجأة وقال بصوت يكاد لا يُسمع: هو ده. قلبي وقع في رجلي: هو مين؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.