تمت إجراءات الطلاق الودية، ووقعت هدى على تنازل كامل عن أي نفقة أو حقوق أو مؤخر، وسلمت أوراق التنازل المزورة لعم أحمد عشان يقطعها قدام عينا. أول ما خرجت من مكتب المأذون، بصت لي بشر وقالت: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا سارة، خربتي بيتي!”
رديت عليها بثبات وأنا بأخد إيد أختي وبابا: “اللي بيحفر حفرة لأختي بقع فيها يا هدى.. وحسبنالك صح في الدنيا وفي الآخرة ربنا هو الحسيب.”
رجعت الشقة مع بابا وإيمان وعم أحمد. الشقة كانت محتاجة تنظيف وتطهير من كل حاجة لمستها الست دي وبنتها. مسكنا الشقة أنا وإيمان، شلنا ملايات السرير، غسلنا المكان، ورمينا كل حاجة تخصهم في الزبالة.بالليل، قعدنا كلنا في الصالة، وبابا جاب أوراق الشقة الأصلية ودفتر التوفير بتاعنا، وحطهم في إيدي وإيد إيمان وقال: “البيت ده بيتكم، والفلوس دي حقكم.
. وأنا من النهاردة مش هعمل أي حاجة في حياتي غير إن أكفر عن الذنب اللي ارتكبته في حقكم لما صدقت غريبة على لحمي ودمي.”
إيمان بصت لي وابتسمت لأول مرة من شهور، ابتسامة صافية طالعة من قلبها، وقالت لي بصوت واطي: “شكراً يا سارة.. لولا إنك جيتي في الوقت المناسب ولبستي بيجامتي ومثلتي دوري، كنت هفضل عايشة في الجحيم ده لحد ما أتجنن أو أضيع.”
حضنتها وقيلت لها: “إحنا تؤام يا إيمان.. شريط دي إن إيه واحد وشكل واحد، واللي يلمسك بكلمة يلمسني، ومفيش حد في الدنيا يقدر يدوس على طرف لينا وأنا عايشة.”
عدت الأيام الأولى بعد طرد هدى وبنتها، والبيت كان محتاج يرجع لمجراه الطبيعي. بابا كان بيحاول بكل الطرق يكفّر عن اللي عمله، يصحى بدري يعملنا الفطار بنفسه، ويرجع من شغله يترجى إيمان بس تسامحه وتضحك في وشه زي زمان. لكن إيمان، ورغم إنها ارتاحت من الشقاء والضرب، كانت لسه مكسورة من جوة.
. الأثر النفسي اللي سابته هدى وبنتها في قلبها كان أعمق من إنه يختفي في يوم وليلة. كانت بتصحى خايفة من النوم، وتتخض لو حد نادى عليها فجأة، وكانت دايماً حاسة إن هدى مش هتسيبنا في حالنا بسهولة.
وفي يوم، وأنا قاعدة في أوضتي براجع محاضراتي اللي فاتتني في الجامعة، لقيت إيمان داخلة عليّ ومسكة الموبايل وإيدها بترتعش. بصيت لها بلقلقة وقلت لها: “في إيه يا إيمان؟ مالك؟”
مدت لي الموبايل من غير ما تتكلم.. كان جاي لها رسالة من رقم غريب، مضمونها يوقف الدم في العروق: *(فاكرة إنك خلصتي يا سارة أنتِ وإيمان؟ والنعمة وما أعبد لأردلكم الصاع صاعين، الشقة اللي فرحانين بيها دي مش هتهنوا بيها يوم واحد، والفضايح اللي هعملهالكم في منطقتكم وفي كلياتكم هتشيب شعركم.. القصاص قريب أوي).*
مسكت الرسالة وقرأتها بكل هدوء، رغم إن النار كانت بتاكل في صدري. بصيت لإيمان وقلت لها بصوت صلب: “إيه اللي يخوفك في كلام تهويش من حية مكسورة؟ هدى اتبهدلت واتفضحت، وما حلتهاش غير الشتيمة والتهديد من ورا الشاشات.”
إيمان بكت وقالت بقلة حيلة: “سارة.. أنتِ مش عارفة هدى وبنتها ممكن يعملوا إيه! هدى ليها معارف ناس شمال في المنطقة اللي كانت ساكنة فيها زمان، وأنا خايفة تعمل أي حاجة تؤذي بابا أو تعملنا مصيبة في الكلية! أنتِ مسافرة يا سارة وهترجعي جامعتك في المحافظة التانية، وأنا هفضل هنا لوحدي مع بابا.. أنا خايفة!”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.