سامح اختفى يومين، لكن تم الوصول له بعد تتبع معاملاته وأوراق الأرض. أم محمد سلمت نفسها بعد ما عرفت إن الدفتر خرج للنور. واعترفت بكل اللي تعرفه. أما فؤاد، فقدم شهادته كاملة. أما محمد...فكان أصعب واحد في الحكاية. لأنه خسر أمه. وخسر ثقة منة. لكن منة ما طلبتش الطلاق فورًا. قالت له: "أنا محتاجة وقت.
" وهو وافق. من غير ضغط. من غير تهديد. من غير كلام عن الحب. لأن الحب لوحده ما يكفيش لما الثقة تتكسر. أما الأرض، فبعد شهور من التحقيقات، اتثبت إن عقدي الأصلي سليم، وإن التنازل المزور لا قيمة له. رجعت حقوقي. لكن أغلى حاجة رجعت لي ما كانتش الأرض. كانت راحتي. وفي يوم وقفت قدام قبر جوزي. حطيت الدفتر جنبي. وقلت: "أنا عرفت يا حبيبي." سكت شوية.
"عرفت مين خانك." مسحت دموعي."وعرفت كمان إنك كنت خايف عليا." وبعدين ابتسمت."بس كنت غلطان في حاجة واحدة." بصيت للقبر."أنا ما كنتش ضعيفة." رجعت البيت. لقيت منة مستنياني. مسكت إيدي. وقالت: "ماما. " "نعم؟" قالت: "أنا فهمت ليه بابا كتبلك الكلام ده." بصيت لها."ليه؟" قالت: "عشان كان عارف إنك حتى لو الدنيا كلها وقعت حواليكي.
.. هتعرفي تقفي تاني." حضنتها. وفي اللحظة دي عرفت إن كل اللي حصل، مهما كان قاسي، كان لازم ينتهي. مش لأن كل الناس اتغيرت. لكن لأن أنا اتغيرت. بقيت أعرف إن الثقة مش معناها إني أغمض عيني. وإن الطيبة مش معناها إني أسمح لحد يستغلني. وإن الحقيقة مهما اتأخرت...بتوصل في الآخر. وبعد شهور، وأنا برتب حاجات جوزي القديمة، لقيت ظرف صغير مدسوس جوه الدفتر.
فتحته. كان فيه صورة ليا أنا وهو في أول سنة جواز. وتحت الصورة مكتوب بخط إيده: "لو يوم من الأيام شكيتِ في نفسك، افتكري إن أكتر حاجة حبيتها فيكي إنك عمرك ما سيبتي الظلم يكسب." فضلت باصة للكلام. وضميّت الصورة لصدري. وساعتها بس...قفلت الدفتر. لأن الحكاية انتهت. مش بمـ,ـوت حد. ولا بانتقام. ولا برجوع الزمن. انتهت بالحقيقة. والحقيقة كانت كفاية. ومن يومها، كل ما حد يسألني إيه أصعب حاجة حصلت في حياتك؟
بقول له: "أصعب حاجة ما كانتش إني اكتشفت إن ناس وثقت فيهم خانوني." وأبتسم."أصعب حاجة كانت إني اكتشفت إنني كنت أقوى من كل اللي حصل لي. " وده كان آخر سر في حكاية جوزي...السر اللي فضل سنين مستخبي ورا باب بيتي. الباب اللي أنا نفسي فتحته في ليلة مـ,ـوته. لكن المرة دي...أنا اللي قفلته بإيدي.
وقلت: "خلاص." "كفاية لحد هنا."الراجل فضل واقف عند باب البيت والورقة في إيده. ولا واحد فينا اتحرك. أنا كنت ببص له ومش قادرة أستوعب إن الراجل اللي قدامي هو نفس الشخص اللي فضلت سنين فاكرة إني حضرت جنازته. قلت بصوت متقطع: "إنت... إنت مين؟" رد بهدوء: "أنا فؤاد." الاسم وقع عليا كأنه حجر.
فؤاد. أخو جوزي. الشخص اللي كنت فاكرة إنه مـ,ـات من سنين. قرب خطوة."عارفة ليه عمرك ما شوفتي وشي بعد الدفنة؟" ما قدرتش أرد. نوال قالت: "عشان اللي اتدفن مكانه ما كانش فؤاد." فؤاد بص لها."إنتي كنتي عارفة من إمتى؟" قالت: "من أول يوم. " محمد كان واقف مصدوم."طب وإنت كنت فين كل السنين دي؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.