وأخاف أكتر إنها تسمع يومًا حكاية من حد تاني عن أبوها وأمها. لكن أبويا كان دايمًا يقوللي: "بنتك مش محتاجة بيت كبير يا مريم… بنتك محتاجة بيت آمن." الجملة دي فضلت معايا. وكل مرة كنت أشك في قراري، أفتكرها. كنت فاكرة إن تربية الطفل لازم تكون في بيت فيه أب وأم تحت نفس السقف. لكن اكتشفت إن الطفل ممكن يتربى وسط أب وأم منفصلين ويكون أسعد من طفل عايش وسط خناقات وصمت وبرود.
أنا وأحمد اتفقنا من البداية إن ليان مالهاش ذنب في أي حاجة حصلت. ما استخدمناهاش ضد بعض. ما خلينهاش تسمع كلمة وحشة عن الطرف التاني. ولما كانت تسألني عن أبوها، كنت دايمًا أقول: "باباكي غلط مع ماما… بس ده مش معناه إنه وحش." كنت أقولها كده لأنني ما كنتش عايزة أربي بنتي على الكراهية.
كنت عايزاها تتعلم حاجة أهم. إن الإنسان ممكن يحب شخصًا، وفي نفس الوقت يعرف إنه مش مناسب له. وممكن يسامح شخصًا، من غير ما يرجعه لحياته. وممكن يحترم أبوه أو أمه حتى لو أخطأ.--- أحمد كان بيحاول يعوض ليان عن غيابه الأول. كان ياخدها كل أسبوع. في البداية كانت بتجري عليه. وبعدين لما كبرت بقت تسأله أسئلة أصعب. وفي مرة رجعت من عنده وهي ساكتة. دخلت الأوضة وقعدت على السرير. بصيتلها وقلت: "مالك؟
" قالت: "بابا قاللي إنه كان غلطان." قلبي دق. قلت: "قالك إيه؟" قالت: "قاللي إنه زمان كان فاكر إن أهم حاجة في الدنيا إنه يبقى مبسوط." سكتت شوية."وقاللي إنه فهم متأخر إن في فرق بين إن الواحد يعمل اللي نفسه فيه… وبين إنه يعمل الصح." بصيت لبنتي. كانت وقتها لسه صغيرة. لكن كلامها كان أكبر من سنها. قالت: "هو كان بيحبك؟
" السؤال وجعني. لكن جاوبتها: "أيوه." "طيب ليه عمل كده؟" بصيت في عينيها وقلت: "عشان الحب لوحده مش بيخلي الإنسان صح." سكتت. قالت: "يعني ممكن نحب حد ونأذيه؟" "آه." "طب نعمل إيه؟" حضنتها. وقلت: "نتعلم ما نأذيش اللي بنحبهم." --- كبرت ليان. كبرت وأنا شايفة فيها كل يوم جزء من اليوم اللي حاولت أنساه. كانت ضعيفة في البداية.
لكنها بقت قوية. كانت بتتعب بسرعة. وبعدين بقت تجري في البيت لحد ما أصرخ فيها: "يا بنتي اهدي! " كانت تضحك وتقول: "أنا قوية يا ماما." وكنت أضحك. وأقول في سري: "أيوه… قوية." كنت دايمًا أقول إن بنتي ولدت قبل ميعادها. لكن الحقيقة إنها كانت أول واحدة في حياتي تيجي في ميعادها بالظبط. جات في الوقت اللي ربنا كان عارف إني محتاجة فيه سبب عشان أتمسك بالحياة.--- مرت سبع سنين.
في يوم كنت واقفة في المطبخ بعمل الفطار. رن جرس الباب. فتحت. كان أحمد. واقف ومعاه وردة صغيرة. بصيتله باستغراب. قال: "ليان جاهزة؟" "آه." قال: "أنا جاي أخدها." ناديته: "ليان!" جريت من جوه."بابا!" حضنته. فضلت واقفة بعيد. بصيت عليهم. ما حسيتش بالوجع القديم. ولا الغيرة. ولا الغضب. حسيت بس إن ده أبو بنتي. وده كفاية. قبل ما يمشي، بصلي وقال: "مريم." "أيوه؟" "ممكن نتكلم لما أرجع؟" قلت: "عن إيه؟" قال: "عن موضوع قديم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.